أضيف في 22 غشت 2018 الساعة 17:18

حلقات الشيطان


سعيد مقدم أبو شروق
حلقات الشيطان

الحلقة (1)
دخل السوق، قال لبياع الفاكهة:
سطر الفاكهة الطيبة في الأمام، والفاسدة في الخلف، حيث لا يراها الزبائن؛
ولا تسمح لهم أن ينقوا، بل أنت عبئ الكيس بالترتيب الذي يناسبك.
قال البائع قبل أن يجف ضميره:
ولكن هذا غش!
قال: كلا، التسطير نوع من الديكور. ثم ألم تشتر الرديئة والطيبة معا؟!
قال: بلى.
قال: إذن عليك أن تبيعها كلها، رديءها وطيبها... وفكر في مستقبلك.

الحلقة (2)
دخل دكان بائعة الحليب، بقى عندها حليب منذ ثلاثة أيام، ففسد؛
أرادت أن تتخلص منه، فقال:
مهلا، كأنك تحبين الخسارة!
بيعيه؛ واعلمي أن معظم الزبائن سوف لا يعرفون حقيقته.
ثم من فوّره وتقطع، سيرجعه؛ عندها اعتذري له واعطيه حليبا جديدا.
ومعظم الناس لا يفورونه، يسخنونه قليلا ويشربونه.
وما تبقى منه روّبيه، واعملي منه لبنا حامضا.
وهل تصدقين أن الناس يمرضون من اللبن أو من الحليب الظال؟!
وإن مرضوا، فسيعزون السبب إلى الهواء الملوث، ومياه كارون الآسنة، ودخان عيون النفط، والغازات المنبعثة من المصانع...
وفكري في مستقبلك.

الحلقة (3)
جارتنا تربّي الدجاج والوَز في بيتها، وقد أرقدت إحداها على البيض، لكنها تركت بيضها بعد أسبوع.
أرادت المرأة أن ترمي البيض بعيدا، فاعترضها قائلا:
يا امرأة، لِمَ الخسارة؟!
ضمي الفاسد مع السليم في سلة واحدة وبيعيه؛ ولعلمك إن الحياة كلها غش في غش؛ ألم يبعكِ البقال رزا مسوّسا أمس، وقبلها كان قد أراكِ الرز العطري الجديد؟! ... وفكري في مستقبلك.

الحلقة (4)
درجة الحرارة مرتفعة، أدت إلى إفساد السمك، فأراد البائع أن يرميه في النهر طعاما للأسماك ولطيور البحر.
سأله: ألم تدفع المال لشرائه؟ فكيف ترميه في النهر؟! ... والربح؟!
خذه إلى البيت، وضَعْه في الثلاجة حتى يتجمد؛ عندها ستزول رائحته النتنة ويشتد لحمه، وتستطيع أن تعرضه للبيع ثانية.
وخزه ضميره ...
قال له: ضع الضمير جانبا، كما فعل الشرطي والقاضي والسجان ... وفكر في مستقبلك.


الحلقة (5)
حصل خلل في ميزان البقال، يزيد على الوزن 200 غراما، أراد أن يصلحه؛ فقال:
ماذا تضر الزبائن هذه 200؟! ... لكنها إن تجمعت من الصباح وحتى المساء فسوف يكون لها الأثر المحسوس في دخلك.
- وإن كُشِف أمري؟
-تختم باليمين بأكثر من خاتم، والبس السواد في محرم وصفر، وجميع الوفيات التي ذكرت في التقويم؛ عندها لا أحد يشك في بخسك ... وفكر في الثراء وفي مستقبلك.


الحلقة (6)
وبعد أن تزوج بقرض من البنك، راح يبحث عن وظيفة؛ لكن المندوب وظف جماعته؛ والرئيس عيّن ذويه، والمقاول جلب أبناء جلدته من وراء الجبال.
البارحة ضاقت به الواسعة، فاقترح عليه عملا مغدقا مريحا:
يجلس في البيت، وينسل إليه الزبائن من كل حدب مهطعين.
أنّبه ضميره، فأزّه الشيطان هامسا:
وهل أنت تجبرهم جبرا؟!
ولا تنس أن الثراء كل الثراء في تجارة الأفيون... وفكر في مستقبلك.

الحلقة (7)
رشح نفسك لانتخابات المجلس واكذب على الناس لتفوز.
- ماذا أقول لهم؟!
- قل لهم بأنك الوحيد الذي تستطيع أن تفتح لهم مدارس عربية، أن تصدر لهم جرائد ومجلات بلغتهم، واستند بمادة 15 من الدستور، وإنك الوحيد الذي تستطيع أن تحل مشكلة البطالة وأن تشغل أبناءهم في شركات النفط.
- ولكن الحكومة لا تسمح بهذا كله!
- الوفاء بالعهود ليس مهما، المهم أن تصل إلى المجلس، أن تَصعد وتُصعّد زمرتك وذويك... وفكر في مستقبلك.

الحلقة (8)
عُرضت عليه قضية باطلة، أراد أن يرفضها؛ وسوس له أن يقبلها.
- لكنني أقسمت بالله وبشرفي أن أتقيد بقوانين مهنتي، وأن لا أقبل الدفاع عن الباطل.
- تستطيع أن تتوب من بعيد، وتكفّر عن سيئاتك، والله يتوب عليك.
وأضاف أيضا: ليس من العدل أن تدرس وتتعب وتصل إلى هذا المنصب الراقي ولا تعيش حياة مرفهة؛ من حقك أن تتقلب في البلاد حيث تشاء... ثم ألا ترى تفشي الاختلاس في الطبقات العليا؟! وإنهم يعيشون في نعيم! ذنبك مقارنة بهؤلاء يعد لا شيء!
- ولكن هذه القضية لا تفوز بالبراهين والأدلة كونها باطلة!
- بالغ في الأتعاب التي تتقاضى، ولا تنس كفل القاضي، واطمئن بأنها ستفوز ... وفكر في مستقبلك.

الحلقة (9)
منذ أيام الجامعة وهو يخطط لتعليم وتثقيف أبناء حارته.
بعد حفل تخرجه كان ينتظره عند عتبة باب الجامعة:
إياك أن تعرض نفسك للمشاكل مع الحكومة؛ وإن فعلت فكيف تحصل على وظيفة أو تطمع بكرسي أو بمنصب رفيع؟! أم أنك لا تحلم بحياة الترف والأبهة وبيت فخم ورفاه؟!
وهل أنت مسؤول عن تخلفهم الدراسي والثقافي؟! على كل شخص أن يتعب كما تعبت، ويثقف نفسه كما فعلت.
أما إقامة الصفوف المجانية والمبادئ والقيم، فهذه ما لا تشبع من جوع ولا تروي من ظمأ! سوى أنها تضعك في موقع الاتهام والتشكيك.
كن ذكيا وابتعد عن هذه الأفكار البليدة التي يسميها البعض إصلاحية، واحرص على أن لا تعلم أحدا كلمة إلا وتقاضيت أجرها أولا. ...وفكر في مستقبلك.

الحلقة(10)
اليوم خرج بعد صلاة الفجر، يسير بسرعة الإغواء، 400 ألف كيلو متر في الثانية!
تنقل من دولة إلى دولة، ومن بلد إلى بلد، ومن حارة إلى حارة ...
وجد رجلا منزعجا من زوجته، فوجدها فرصة للنزغ:
دخّنْ سيجارة لتهدأ، وفكرْ بغيرها!
ووجد آخر جالسا يدخن وقد فصلوه من وظيفته، فزين له تدخين الحشيش إلى أن يجد وظيفة!
مر ببائع الفلافل، أغواه أن يشتري البقول المسوس لأنه رخيص، وإن طحنه ... من سيعلم إنه كان مسوسا؟!
وفي طريقه وجد شابا يبيع الفاكهة في الشارع الرئيسي، خدعه ليكتب السعر منخفضا ثم يبيع أغلى!
-ولكن كيف؟!
- السعر المنخفض يصيد لك الزبائن، وعندما تقف السيارة وينزل السائق، يجد نفسه في موقف حرج ممن معه فيشتري.
وقبل أن يدخل الحي، وجد شابا آخر يبيع البنزين في علب صغيرة؛ فأغراه ليخلط معه قليلا من النفط والماء لينتقم من صاحبي المهن الفخمة من موظفي الشركات، وحتى سائقي سيارات الأجرة؛ وليكسب أكثر.
ولج المدينة ضحى، تسرب في دوائر صاحبي القرار، وجدهم يتكلمون بلغة أخرى، ولأنه يجيد كل اللغات، فهم ما دار بينهم، ولم ير أي حاجة ليفعل شيئا، خرج وهو يبتسم!
انسل على شاب لم يقطع صلاته قط، زكى أمواله في أول رمضان، وجده صائما...خرج هاربا.
ثم وبحركة سريعة بدا لي أنها أسرع من سرعة الإغواء، ابتعد بعيدا ... حيث لم أستطع رصد أخباره.
22-5-2018
سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : سعيد مقدم أبو شروق

مدرس   / الأهواز , إيران