أضيف في 17 غشت 2018 الساعة 13:20

المثقف العربي: أزمة هوية


المصطفى سالمي
من هو المثقف العربي الذي يمكن الحديث عنه وتحديد مواصفاته وطموحاته وآفاقه؟ هل هو الأكاديمي الجامعي حامل الشهادات العليا، أم هو المنظر في المقاهي والأندية الثقافية والصالونات الأدبية، أم هو القابع في برجه العاجي يجمع مفردات انقرضت من معاجمنا الحديثة يناقشها مع زمرة من أمثاله ممن انقطعوا عن العصر الحالي، أم هو المنكمش خلف شاشة حاسوبه مبديا الألم الصامت إزاء ما يعتمل في محيطه دون أن يعطي حلولا ملموسة للتغيير المنشود شأنه شأن باقي عناصر مجتمعه...؟
إننا لا نختلف أن المثقف هو كل شخص يحمل همّ أمته حتى لو كان تكوينه المعرفي ليس موسوعيا أو جامعيا، فكم هُمْ كُثر أشباه المثقفين وأشباه المتعلمين، ليس المثقف في عرفنا من يعيش على هامش الأحداث معتزلا أو معتكفا أو غير مهتم بما يدو ر حوله، وكأن الأمر لا يعنيه، وليس مثقفا حقيقيا من باع اهتمامات وقضايا أمته بحفنة مال أو بمنصب أو إغراءات معينة أو بالترهيب إذا لم ينفع الترغيب.
إن المثقف العربي يعيش أزمات ليس فقط فكرية (نختزلها أساسا في الانتماء والخلفية الإيديولوجية: إسلامي /علماني..) أو اقتصادية (وما أكثر المثقفين العرب الذين وجدوا أنفسهم يبيعون مكتبتهم النفيسة من أجل لقمة العيش) أو اجتماعية (من حيث التلاؤم مع محيطهم الذي هو سندهم وحافزهم للتغيير المنشود)، وإنما يعاني أزمة هوية، ففي مجتمع السيادة فيه للأمية والجهل والنزعات الأنانية يصبح المثقف بين شقي الرحى، فلا هو يلبي حاجياته الفردية، ولا هو يعثر على هدف وجودي كبير يكرس حياته لأجله، وتكبر المأساة وتصبح أبعادها مثيرة للشفقة إذا ولى المثقف بناظريه ذات اليمين وذات الشمال فلا يجد ممن هم أمثاله إلا حالات معزولة منبوذة شقية التفكير معتقلة الفكر أو معتقلة الجسد، لتبقى الحالات النشاز هي المطروحة كالآتي:
أ ـ مثقف الأبراج العاجية: ذاك الذي ينظر للسماء والهواء، يناقش القطيعة والانقطاع، ولا يكاد محيطه يفقه مما يقوله قطميرا، وذاك كائن لا شأن له في عرف المجتمع ولا في موازينه..!
ب ـ مثقف العوالم الافتراضية: ذاك الناشط الذي لا يسبح إلا في الفضاء الأزرق، ينظر ويحث وينتقد، عيبه أنه مهووس مدمن، لا يخالط الجماهير ولا يحسبُها إلا خيالا كخيالاته المرئية على حاسوبه أو جواله، أما أن ينزل للشارع في مسيرة أو احتجاج فذاك ليس من اختصاصه وتقاليده..!
ج ـ مثقف المقاهي والصالونات: ذاك الذي يحتسي الفناجين ويمتص الأدخنة بتلذذ، يحرك يديه ذات اليمين وذات الشمال، الأعناق تشرئب نحوه، وبين الفينة والأخرى يلتفت حواليه خوفا من مخبر مندس بين الناس، فيستعين بالمجاز والاستعارة، يجد فيها ملجا سهلا ومهربا مريحا، وما أكثر هذا النوع من ماضغي الكلام الذي هو حمال أوجه، وما أبعد هؤلاء عن الأثر المحسوس، وهم الذين يستهلكون كل الوقت في جدالات عقيمة لا تخرج للملأ، ولا تزيل غشاوة ولا ترفع غباوة!
د ـ المثقف الحالم: ذاك الذي يظن ان الكلمات وحدها تغير العالم، ولا يدري أن دون ذلك تضحيات جسام لابد من تكلفها، وأن إيقاظ الناس النيام أشباه الموتى هي عملية شاقة يلزمها تظافر جهود عديدة، ويلزمها صبر وأناة، وعدم انهيار عند أول هزة، وهنا نذكّر بحجم الصدمة والنكوص الذي وقع لبعض مثقفينا حين تحول الربيع العربي إلى ما يشبه الخريف، فانهارت عديد الآمال، وصعق الكثيرون، وتحول الأمل الجارف إلى ما يشبه اليأس والإحباط، فلاذ بالصمت المطبق والانعزال هؤلاء للأسف..!
ه ـ المثقف المنعزل: إذا صح لنا أن نسمي بعض المثقفين ـ أو أشباههم ـ بالانتهازيين النفعيين، فإننا نعتبر المنعزلين الصامتين هم هؤلاء، فلا هم في هذا الخندق ولا في ذاك، بل لا توجه لهم بالمرة، إنهم لا منتمون لا معنيون، يعيشون للأكل والشرب والغريزة..
إن المثقف العربي في عصرنا المركب الحافل بالصراعات والفتن وتضارب المصالح يعيش حالة من البؤس الفكري والوجودي، بحيث يحس أن العالم يكلفه فوق طاقته ويحمله من الأثقال ما يتجاوز إمكانياته، وهو الذي يحمل إرثا ثقيلا من أجيال التخلف والاستكانة والخضوع والقهر المتراكم عبر القرون والآماد، وأن تهم التخوين والتراخي والتقصير تلاحقه مهما عمل ومهما ضحى مما يكرس لديه الشعور بهضم حقه وهو ما يزيد الطين بلة في توسيع الفجوة بين المثقف العربي ومحيطه، ويحسسه بأن التغيير ليس منوطا به وحده كشخص حامل للوعي الشقي..
لا جدال في أنه عبء ثقيل وطأته قاسية بالنسبة للمثقف العربي، ولكن من ننتظر منه أن يمارس التغيير، أليس العلماء ورثة الأنبياء، من يقوم بالإصلاح إن لم يقم به أهل العقل وأصحاب اللسان الحر، ألم يقل سيد الخلق عليه الصلاة والسلام: (فضل لسانك تعبر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة).
فتحية لكل صاحب قلم حر لا يخشى في قول الحق لومة لائم، وتحية للمثقف الحر الذي يكشف الظلم والتعسف ويفضح ويعري الواقع المثقل بالتعفن المتعدد الأصناف.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب