أضيف في 17 غشت 2018 الساعة 10:34

''امبريالية'' المدرسة المغربية


نورالدين البودلالي
جل الدراسات والتقارير، إن لم نقل كلها، تؤكد أن المستعمر حين غزا الدول العربية والإسلامية، التي تدخل ضمن الدول المشكلة للعالم الثالث، سارع إلى إحداث نظام تربوي تعليمي ينعت بالحديث، الغرض منه استنبات قيم الليبرالية والعلمانية والحداثة المعارضة، آنذاك، لقيم دول ذلك العالم الثالثي. قرر الغزو تدشين الممر السالك والآمن لتسريب قيم الحداثة وغرسها، طوعا أوكرها، بتلك المجتمعات التي كانت تعتبر مغلقة بحكم ثقافتها وتقاليدها. في المقابل كان على هذه الدول الثالثية أن ت "تسامح" بقبول منظومة المستعمر الفكرية باعتباره الحامل لمشعل التقدم. فكان. أصبحت المدرسة العربية الإسلامية، في ظاهرها على الأقل، حديثة: أُنشئت المؤسسات التعليمية، وقسمت الدراسة إلى أسلاك ومستويات، وأُحدثت طرق ومناهج الغيت معها الطرق التقليدية... لقد اتخذت دول الاستعمار قوة السلاح والحديد للسيطرة على الأرض، لكن أيضا لغزو ثقافي جعلت قاطرته التربية والتعليم. وكان من الطبيعي أن تهب تلك الدول الثالثية إلى المقاومة، إن على المستوى العسكري أو الفكري. فكان من دعا إلى العودة إلى الأصول والتشبث بالمقومات الثقافية الأصيلة والقيم الروحية، وكان من دعا إلى مقومات الثقافة الحديثة وقيم الفكر المتمدن.
جدال الأصالة والمعاصرة، وإن كنت في خضمه، لا يهمني ولست منشغلا به في هذه العجالة. السؤال الذي أحاول ملامسته هو التالي: إن كان النظام التربوي التعليمي بالمغرب يجعل من نفسه مدافعا صلدا عن المدرسة الحديثة فلماذا تظل نتائجه دون المطلوب؟
في كتابه "أضواء على مشكل التعليم بالمغرب" أكد محمد عابد الجابري سنة 1975 ان التعليم بالمغرب في أزمة حقيقية، وقدم تصورا قابلا أن يبنى عليه توجه ميداني لربط التعليم بالواقع المغربي. في الوضع الحالي لاتزال كل التصريحات الرسمية أو الأكاديمية تؤكد انخفاض المستوى التعليمي وتخبطه في كثير من المشاكل اللوجستيكية و البيداغوجية التي تعيق تحقيقه للنتائج المرجوة. الدولة توجه أصابيع الاتهام للتلميذ الذي يرفض التمدرس؛ و/أو الأستاذ الذي يمتنع عن أداء واجبه المهني، بل والوطني؛ و/أو الآباء الذين تخلوا عن دورهم الأبوي، وصولا إلى موادٍ اعتبرت عائقا أبستمولوجيا يوقف عربة تقدم التعليم، انتهاء بالتقدم المجتمعي (الجدال المفتعل حول مادتي التربية الإسلامية والفلسفة) ... في حين تتجه كل هذه الفعاليات إلى اتهام الإرادة السياسية للدولة نفسها بكل مراتبها.
لا أخال أن هناك من يفكر في إعادة النظر في شرعية المدرسة الحديثة، والجميع لا يجادل في كونها المؤسسة التي تكفل تعميم التعليم على الأفراد وترفع عنهم الأمية. الحقيقة أن التعميم والتوحيد والمغربة قد تحققت بالمغرب بنسبة ملفتة، بينما ظل التعريب يعرف تذبذبا ملحوظا لاتزال تدحرجاته معاشة إلى يومنا هذا. غير أن تلك النسب الملفتة لم تستطع أن تخفي الحقيقة السطعاء: غياب الجودة والفعالية المتمثلة في ضعف اكتساب التلميذ المغربي لعدد من التقنيات البيداغوجية والمحصلات المعرفية إن على المستوى الكيفي أو الكمي، أو هذا على الأقل ما اعترفت به الوزارة مؤخرا. هذا استدعى ويستدعي القيام بإصلاح المنظومة التربوية و التعليمية. لهذا الغرض وُضعت سياسات وكُونت لجن لتنفيذ بنوده، منذ1957 إلى2017 لكن كان مصير الجميع الفشل، بل تم توقيف بعضها بعد أن صرفت فيها ميزانيات ضخمة
لا مراء في كون المدرسة الحديثة منتوج رأسمالي ليبيرالي. وقد عملت، كمؤسسة ضمن أخريات، على تحويل المجتمعات الأوربية من نمط الإنتاج الفيودالي إلى البورجوازي. وقد كلفت بتسريع ومراقبة التغير الاجتماعي والحفاظ على الوضع الصائر، مع جعل التنافس بين الأفراد القيمة العليا لتحقيق المرامي المرسومة، (انظر الخمار العلام: المعرفة والسلطة: دراسات في التربية والطفولة والجنس؛ نشر تانسفيت؛ الطبعة الأولى 1995؛ ص: 13). ومع تطور الأوضاع مالت هذه المدرسة للدفاع عن قيمة العلمانية، في خطوة نحو فك الصلة بالكنيسة، وفصل العلاقة بين الدين والسياسة. القيمتان، العلمانية والتنافسية، فرضت على المدرسة، على المستوى النظري، تحقيق أدنى شروط تساوي فرص اكتساب المعرفة والنجاح والترقي الاجتماعي. عمليا كان ذلك عسير التحقق لما يعتري المجتمعات من شرخ طبقي. اكتساب اللغة، مثلا باعتباره النموذج الشائع، لا يمكن أن يكون متساويا بين جميع الفئات المجتمعية، إذ يجد أطفال الفئات الدنيا صعوبات أكبر في سرعة اكتساب تقنيات القراءة والكتابة بالمقارنة مع أبناء الفئات الميسورة، مما يكون له تأثير على التحصيل الدراسي.
أعتقد أن مكمن التعارض بين المدرستين، الفرنسية والمغربية، يبرز في هذه المتبوتات. فعلى خلاف الفرنسية، الدولة المغربية يتحكم فيها المخزن، بمساعدة لا مشروطة من قبل القبيلة، والأعيان. في نفس الاتجاه، تعطي الدولة الريادة للدين الإسلامي وقيمه، وتجعل للغة العربية اللغة الرسمية، مع إقرار بالتنوع الثقافي والاثني. أعتقد أن التمسك بالواقعية والموضوعية، وعدم انتهاج الطوباوية، تفرضان علينا أن نعالج قضايا تربوية وبيداغوجية انطلاقا من المعطى المعرفي والسياسي اللذين يشكلان كنه الكينونة المغربية. لذا أرى أن المدرسة المغربية ليست حديثة بالمعنى الذي تتعرّف به المدرسة الغربية، إلا من حيث كونها تعمل على الحفاظ على الوضع القائم، المتمثل في شكل السلطة التي تشرف على النظام التربوي وتوجهه، مستخدمة كل ممكناتها للحفاظ على وجودها. قيمة العلمانية غير مثبتة بالنسبة للنظام التربوي المغربي، وذلك لأن الشرعية السياسية للدولة قائمة بالأساس على الشرعية الدينية، باعتبار أن الملك يمتلك صفة أمير المؤمنين، وأن الدستور، كما سبق قوله، يبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة، ويعرف الدولة المغربية بكونها بلدا عربيا مسلما.
الدولة نفسها ترى أن الاستثمار في قطاع التربية والتعليم غير مربح، الخسارة فيه أكثر مما يمكن جنيه اقتصاديا. صحيح أو غير صحيح؟! تلك قضية أخرى. لكن تداول الأيام جعلتنا نقف على مدى عمل الدولة من جهد للتخلص من مجانية التعليم أولا، وتقليص تعميمه على الفئات المعوزة، من خلال تشجيع التعليم الخصوصي، وأخيرا عدم تنظيم هذا الأخير بالمراقبة والإشراف المنهجي إداريا وتربويا. ولعل أن المجتمع المغربي يتذكر ويعيش مخلفات الشائعة التي أسهم في ترديدها، وكانت حجة فئات عريضة، والتي مؤداها «ماذا فعل المجازون بشواهدهم»، والتي أعتقد جازما أنها أنكهت التعليم المغربي بتلك النسمة الاستسلامية ونخرت ما تبقى منه قائما: من هنا النسبة العالية من الهدر المدرسي. ثم حين يردد التلاميذ، وحتى الموظفين خلال مباريات الترقية، «من نقل انتقل ومن كرّك كرّر»، إنما يبحثون عن الكسب بأقل جهد، لكنهم أيضا يساهمون، بوعي منهم أو بدون وعي، في تخريب مكانة الشهادات المحصل عليها، وهو ما تبين حين مطالبة المرشحين من طلبة المغرب في الدراسة بفرنسا إلى إجراء امتحانات الأهلية بذلك البلد مخافة التزوير والغش. وقبل ذلك لم تعد شهادة الباكالوريا تكفل لصاحبها الدخول إلى معاهد ومدارس متخصصة إلا عند الحصول على معدل عال جدا.
ترى ألم تبلغ المدرسة الرأسمالية غايتها وهي تكرس الميز الطبقي بين روادها وترفع كل تساوٍ في فرص التمكن من الحق في التعلم وبلوغ مراتب عليا منه؟
-------------------------------

لملاحظاتكم: [email protected]



قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب