أضيف في 9 غشت 2018 الساعة 21:03

سذاجة سعيدة..!


المصطفى سالمي
أخيرا وجد السيد (الراضي) نفسه يتساءل بمرارة: (لماذا ـ أيتها الذات ـ أفقتِ من سذاجتك البلهاء المريحة؟! يا لي من شقي أثيم! لقد كنت أنعم في بحبوحة من السعادة الطيبة)، وفعلا كان السيد (الراضي) مثالا للشخص المتسامح الخلوق الذي لا يتردد في الابتسام في وجه البشر والشجر والطير وكل مخلوقات الله، فهو من أصحاب الطبع الرضي المسالم، لا يهتم ولا ينتبه لمن يوجهون له سهام التجريح والأذى، ويقدم المساعدة للقريب والبعيد، وقد كان كثير من مقربيه ينبهونه باستمرار إلى الشرور في العالم، وأنه لا ينبغي أن يبقى هكذا صاحب نوايا ساذجة، الكل يستغل طيبته التي لا حدود لها، لكنه لم يتغير أبدا، فمنذ طفولته ظهرت طباعه المسالمة الوادعة في علاقته بأقرانه، وفي كل مراحل أطواره الدراسية كانت أدواته وكتبه عرضة للسرقة والسطو، حتى أفكاره وبحوثه تعرضت لهجوم الكسالى الذين كانوا يغشون أجوبته من على ورقة تحريره التي لا يتقن إبعادها عن أعينهم المتلصصة، وحين أصبح طالبا جامعيا يتلقى منحة دراسية، كان يقرض زملاءه الطلبة الذين نادرا ما أعادوا له ما اقترضوه، وهو يخجل أن يطالبهم بإرجاع ما بذمتهم، وحين كبر وأصبح موظفا أمسى مطمع القريب والبعيد، ورغم كل هذا يبتسم! إنه راض دائما وأبدا، حتى حين يُراد استفزازه كان لا يرد الشر بالشر، بل يرده بكلمات طيبة مما يجعل أعداءه يستشيطون نارا وغضبا لأنهم لم يستطيعوا سرقة الفرحة التي تشربتها أعماقه...!
لكنهم أخيرا تمكنوا من سرقة النوايا الحسنة، والابتسامة السعيدة، أجل لقد أفاق السيد (الراضي) من غيبوبة سذاجته، لم يدر أحد حقا كيف وقع هذا، حتى هو نفسه، إنه لو سُئل عن فداحة الثمن النفسي الذي يدفعه الآن ـ معاناة ومكابدة وتمزقا ـ لقال إنه يفضل أن يبقى في غيبوبة الماضي الجميل الباسم، هل كانت مرحلة السذاجة البلهاء مجرد سبات عابر عاش خلالها صاحبنا فرحة صبيانية مؤقتة؟
الآن يقرأ السيد (الراضي) المكر في عيون الآخرين، يحلل أفكارهم ونواياهم السوداء، يرى خبثهم وخستهم على جباههم، وهذا لم يكن متاحا له من قبل، تُرى هل هي ثمار ونتائج إلحاح قلة من المحيطين به ظهرت أخيرا؟ أم كل ما عاشه مجرد مرحلة كان لا بد أن يعبرها ويصل لمرحلة يصبح فيها بصره حديد، وليته ما رأى وما وصل لمرحلة كشف المستور ورؤية الناس على حقيقتها وزيفها وبشاعتها..!
وها هو شعاع السذاجة والبراءة يختفي من سلوك صاحبنا، ليصبح الأخير عنصرا يرد الكلمة السيئة بعشر أمثالها، ويثور ويتمرد ويمنع الأشرار من استغلاله، مما سبب صدمة عند معارفه، فقد فرح أغلب الطيبين لاستفاقته المتأخرة، وغضب أغلب الانتهازيين الذين كانوا يستفيدون من الوضع السابق، لكن من هؤلاء قلة اغتبطت أساريرهم أن تغير طبع رضي كان شوكة في حلوقهم، وأصبح قريبا من قطعان الناس العاديين، كما تأسف قلة من الأخيار أن تراجعت طيبة الطيبين وتقلص صفاؤها. وحده السيد (الراضي) ما زالت أعماقه الداخلية تردد:
ـ لماذا أفقتُ من سذاجتي التي كانت سر سعادتي الماضية؟!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب