أضيف في 29 يوليوز 2018 الساعة 17:50

البيعة و إشكال المعنى


رشيد اليملولي
البيعة و إشكال المعنى .
لا تنطلق فكرة هذا المقال البسيط ، من الرغبة في محاكمة مبدأ سياسي احتكمت إليه الدول الإسلامية و العربية ، خاصة في بناء سلطتها السياسية ، انطلاقا من مقوم ديني و شرعي ، و لكن ترنو مساءلة مضمون هذه الفكرة ، الذي يتجاوز بدوره المعطى الدستوري ، و التقنية المرتبطة بتفعيل هذا المبدأ .
إن السمة المميزة للبيعة السياسية في المغرب ، تحتفظ بخاصيتها و طابعها " الطقوسي " ، خارج التعاقد و المساءلة القانونية ، ليس فقط للمؤسسة الملكية ، و لكن للنظام السياسي في شموليته ، و بمختلف فاعليه و صانعي قراره ، بمعنى الغاية من البيعة ، ليس تنزيل فلسفتها الدينية ، إلى فعل ملموس ، بقدر ما تفيد ضمان استمرارية النسق السياسي على قواعد الشرعية الدينية ، حتى يبدو المعارض و الناقد لطبيعة النظام ، و مستوى أدائه السياسي ، خارجا بالمعنى الديني عن " الإجماع و البيعة " ، و من ثم تسهل عملية محاكمته بالطرق التي تراها المنظومة صالحة ليس للمعارض ، و إنما لعموم العينة أو الكتلة الراغبة أو الساعية إلى المعارضة ، أو بتعبير أدق الساعية إلى الفتنة .
و تنطلق الفكرة الثانية لإشكال البيعة من المزاوجة بين المنحى التقليدي للسلطة السياسية ، و الحداثة و الديمقراطية التي تتطلبها المرحلة ؛ إذ إن هذه الازدواجية تعني عدم قدرة النظام السياسي على هندسة أفقه السياسي على التعددية و الانفتاح ، حيث يرتد في غالبية اللحظات نحو الأفق المغلق و الضيق للكثير من المعطيات الحداثية ، التي تقرع بابه في كل لحظة و حين ، يستجيب لها بمزيد من الغموض و الضبابية ، و التي لا تحسم مع الدين في اعتماده أو مفارقته ، أو السعي إلى الدولة الحداثية بمقوماتها الحداثية ، و هذا ما يفسر ضحالة الفكرة السياسية في المغرب ، و يردي فعلها إلى هامش ظني لا يغني الفكرة أو يثريها ، يقوي من بريق و سلطة المؤسسة الملكية ، و يضعف الفاعل السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، بدليل احتكار جل المبادرات المادية و الرمزية ، التي تبتدئ من تسمية الشوارع و الأزقة ، و تنتهي بتسويق صورة الملكية و ليس المغرب ، أليس شعارنا هو الله ـ الوطن ثم الملك ؟ .
لعل الإشكال الفلسفي الذي تثيره البيعة لا يخص مرجعيتها و أصولها السياسية ، بقدر ما يقف عند مستوى و درجة ثمنها التنموي و السياسي بالنسبة للمجتمع داخليا و خارجيا ، و قدرته على تقديم الإضافة و البديل و تسويق النموذج المغربي باعتباره قيمة يحتذى بها ، و نبراسا يقاس عليه و يبنى على أساسه أو صورة للاستئناس في أسوأ الحالات؛ فالحجية التي اعتمدها فقهاء السياسة تدعيما لمبدأ البيعة ، تكمن في مباركة السلطة السياسية و الإجماع المرتبط بها مخافة الفتنة ، و افتراق كلمة الأمة ، و عدم ضمان كلفة التغيير العنيف ، قد ارتد إلى حجية مضادة ، أفرزها التاريخ الطويل للبيعة و الإجماع المزعوم ، و هي فشل الأنظمة السياسية التي تستمد شرعيتها من هذا المقوم ، في تقديم منتوج تنموي و حضاري للشعوب ، التي تعيش تحت سقف السلم المزعوم ، الذي برع فيه فقهاء الجماعة و السنة ، الثمن المعني هنا هو الثمن العلمي و الفني و السياسي ، و بلغة جامعة الأمن الحضاري بمستوياته المتشعبة و روافده المعروفة .
فهل بهذا المعنى البيعة بطقوسها و رموزها و فلسفة اشتغالها عقبة نحو التحرر السياسي في بناء مجال تعددي ديمقراطي مفتوح و على خريطة سياسية واضحة المعالم و الآفاق ؟ .
ليس سرا أن البيعة في دلالة ممارساتها ، تبغي تكريس وعي معين و ثقافة محددة ، تقوم على نسق ثقافي " الشيخ و المريد " ، الذي لا يحاكم بالمعنى السياسي و الاجتماعي ، و يسعى جاهدا لأن يظل راسخا و فوق المجتمع و الدولة و الوطن ، باعتباره الملهم السياسي و المرجعية الخلاقة ، التي تذيب باقي الفعاليات الداخلة في النسيج السلطوي و المباركة لخطواته ، بشكل جعل من هذا المجتمع ذيليا تابعا فاقدا للمبادرة ، و الخلق و الإبداع ، لذا التساؤل يظل قائما حول أفق البيعة و ثمنها ووسائلها " الاستعلائية " في تكريس التعاقد أو التبعية أو القيمة في سلم القيم الحضارية و الدولية ، و هل من الممكن استمرار مبدأ البيعة بذلك الشكل و الصيغة ، التي تفيد في مستواها الأدنى استهلاكا و تبذيرا للجهد و المال و رمزية البلد و الموت في التقليدانية المفرطة التي أصبحت متجاوزة في عرف و منطق روح العصر ؟ ، و تعني من جانب آخر ـ إذا كانت الضرورة تفرض ذلك ـ تجديد مضمون البيعة و شكلها على أساس تعاقد زمني مؤسس دستوريا ، و مرهون بمشروع سياسي محدد الأهداف و الوسائل في المدى القريب و البعيد و الأبعد ؟ .
ليس الغرض إثارة الفتنة أو ابتغاء تميز أو هرولة نحو غاية مبيتة ، و إنما السعي حثيث نحو إثارة التساؤل بمعنى التطوير و التجديد ، و تجاوز " اليقينيات " ، التي أبدت الفشل و جعلت من النجاح ، و إمكان تخطي الهزيمة الحضارية أمرا مستحيلا ؟ ، ما دام النظام السياسي في كليته مبني على تقديس المفارقة بين الخطاب و الفعل ؛ فإذا كانت البيعة بذلك الشكل تشبثا بالدين ، فالدين معاملة و أخلاق تجلب مصلحة البلد الداخلية و الخارجية ، و تدرأ عنه المفسدة التي ليست هنا إلا التبعية و الاستهلاك لما تنتجه الأمم ، و المفسدة في هذا السياق فتنة تعمق الجرح و تجدر العطل العميق .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب