أضيف في 25 يوليوز 2018 الساعة 22:40

للمقاطعة وجوه أخرى


رشيد اليملولي
للمقاطعة وجوه أخرى .
لئن كانت المقاطعة قد ارتقت إلى قيمة اجتماعية لها مصداقيتها و حجيتها ، في تقديم ملامح رأي عام يبتغي المواطنة في تجلياتها الدستورية و الحقوقية و الثقافية ، و ينبئ ببداية التحول الهادف و الهادئ نحو مجتمع مفتوح على صراع قيم أكانت مادية أو رمزية ، فإن روح هذه المقاطعة مطالبة برفع وثيرة و عقيرة الاحتجاج ، ليس فقط تجاه الخارج السياسي ، بل نحو الداخل الاجتماعي و الثقافي ، أي الذات المقاطعة ، و مضامين أسلوبها و فلسفتها في دواليب الصراع ، ضدا على القيم السلطوية بمختلف مشاربها و اتجاهاتها .
و إذا كانت هذه المقاطعة قد وصلت مبلغا من العلم بالاحتجاج ، قد لا يرقى إليه الشك ، و تحفه وساوس الريبة ، فلا حرج و لا ضير ، بل و ضرورة إعادة النظر في بعض المسلمات و الأدوات و الوسائل ، حتى تستطيع في حدود تقديرنا القفز على مضامين الدولة المخزنية ، التي أمعنت في تنزيلها بشتى الوسائل ، و يتحول المجتمع إلى قاطرة تجر الدولة و تمدها بسياج المناعة من كل نزوع نحو الاستبداد و التعالي على القيم و المؤسسات الوطنية .
لعل أول المهام الجسام ، التي تفرض نفسها ، هي تحديد و تجديد مصادر الوعي النضالي ، و تركيز الخطاب بدل تشتيته ، و الإيمان القدسي بطول النفس ، و عدم الركون إلى وسيلة أو وسيلتان في تدبير الصراع في بعده النوعي طبعا ، مع شركات بجيشها و طاقمها الإداري و البشري و السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي .
ليس سهلا أن تخوض المقاطعة مسارا نضاليا ، مفعما بروح الانتماء إلى البلد و ثقافته ، بل و من الواجب أن ترتقي المقاطعة بخطابها النضالي ، حيث أن اللغة الثاوية خلف بعض العناوين و الرسالات المقاطعة ، تنتابها و تعتريها الكثير من مظاهر الضعف و الهجانة ، و البساطة في اتخاذ الموقف و الخطوة ، وعادة ما تقتات على رد الفعل المجاني ، ومسايرة النزعات التي قد تؤدي إلى انزلاقها و دخولها في عوالم المستنقع الثقافي و الرداءة النضالية ، لذلك يتحتم القطع مع كل الصيغ سواء كانت فكاهية أو فنية أو ترفيهية ، فيها معاني الابتذال و القذف و السب و الشتم ، و مجاراة الخطاب اليومي في صيغته المبتذلة ، و معانقة الموضة الفنية في الخطاب الفني الهابط و الساقط بالمعنى الفلسفي و الفكري ، وذلك لغاية أساس و هي أن هذا المنحى في التعامل قد يفضي حتما إلى سحب المشروعية النضالية من الفئة المحتجة / المقاطعة ، و يجرها إلى مستوى تشويه صورتها ، و تحويلها إلى مادة للاستهلاك اليومي للأبواق الرسمية سواء بالتجاهل أو التسفيه ، و الحط من قدرها و قيمتها ، و هنا يتحول منحى المقاطعة من الصيغة المعروفة ، إلى مقاطعة كل " المرجعيات " الفنية و الأسماء المرتبطة بها ، التي استفادت من تردي الوضعية الفنية ، و بنت مجدها الخاص و ترقيها الاجتماعي على الرداءة المدعومة ماليا و لوجيستيكيا من طرف المخزن ، و سعت جاهدة إلى تمييع الوعي الاجتماعي و النضالي ، و كرست " فن " الدعارة و السكر ، و الكلام المجاني البسيط منه و التافه ، الموقظ للغريزة و النفعية ، و اكتساب الوضع الاجتماعي على حساب الرسالة الفنية ، و لا ضير في هذا السياق أن تتم مقاطعة كل الأسماء الدائرة في فلك هذا المخطط ، و التي لا تتقيد بالحدود الدنيا للذوق الفني النبيل و الراقي و الهادف و الرسالة الفنية المرافقة له ، و الخالية من كل رسالة إبداعية بشكل تهدد به الأمن الثقافي الفني للبلد ، و في هذا المستوى المهمة المنوطة بالمقاطعة في مرحلتها الحالية هي تجفيف منابع الإسفاف و تسليع القيم الفنية ، و تصوير الفن بالكلام العام و المجاني الخالي من أي قيمة ترفيهية سوى أنها ضجيج منظم ، مرفوق بصورة اجتماعية مفادها سكن فاخر و سيارة راقية و خصر في المستوى و نهد يعانق السماء ، عبر وسائل تكنولوجية يتم فيها تمويه الذوق ، و توجيه الصورة و الخطاب ليخدم غرضا ، دبر بدهاء و خبث ليفعل فعلته في الأجيال القادمة ، حتى يتحول أفقها طريقا تعبده كل الصيغ و الأدوات ، و إن كانت مخالفة في المبنى و المعنى لأي قيمة إنسانية ، سوى اللهو بعمق بيولوجي ، و تحت مسمى فني .
إن محاربة القيم المخزنية السلبية ، تتطلب جهازا مفاهيميا و ثقافيا واعيا ، يمتلك ناصية مواجهة كل المناورات و السبل القادرة على تثبيط العزائم ، و التقليل من قيمتها و جدواها ، إذ تناط بالكتلة المقاطعة مهمة رفع التحدي و تقوية سبل المناعة التوعوية ، و لا بد في ذلك من تنقية المجال العام من كل معاني السلبية سواء في المقاهي ، و الشارع العام ، و المؤسسات الوطنية ، أي الالتزام بالحدود الدنيا في السلوك و الخطاب اليومي ، و تدعيم السلوك المواطن مع البيئة في المنزل و الحي و المدينة و المسجد و المدرسة و السوق ، و الإعراض عن كل معاني المحسوبية و الزبونية و العرقية و تفوق الدم و الدين من جماعة إلى أخرى ، و من تيار إلى آخر ، و الرفع من مستوى النضج في التعامل مع رموز السلطة ، بمعرفة طبيعة الحق و حجم الواجب ، و اعتبار المواطنة مرجعا للشرعية ، و ليس أداة لممارسة التسلط باسم الدولة .
إن مستوى الذوق و الوعي و السلوك في كل مظاهر الحياة الاجتماعية ، يعكس بشكل كبير طبيعة الصراع و المواجهة مع التسلط باسم القانون و الشرعية ، و متى ارتفع و نما الوعي ، كلما كانت سبل تقوية المجتمع قائمة ، و كلما ارتد هذا الوعي إلى ما تسعى إليه السلطة كلما كانت المقاطعة سحابة صيف عابرة ، أجادت في تهييئ البدائل للسلطة ، حتى تتجدد أنيابها و آليات مقاومتها ، في أفق القضاء على كل حراك اجتماعي دال ، يكفل و يهفو العدالة ، فكل مسايرة للسلطة في " ثقافتها " التلغيمية ، لن يفضي إلا لتقوية نزعات الاستقواء في السياسة و الاقتصاد و المجتمع .
المقاطعة تعني تقليص شعبية تجار الدين و السياسة و الفن ، و تجاوز كل الايديولوجيات التي تغتني على حساب المجتمع و العدل المنشود .
و تفيد المقاطعة تنزيل كل القيم الإيجابية في الدستور إلى فعل اجتماعي و معيش يومي .
المقاطعة تعني رفع منسوب الوعي في ملعب كرة القدم ، و في أعراس الصيف ، و في رصيف المدن ، و في شراء البضائع المهربة ، و في تشجيع رموز الاستعمار ، و تحقير منتوج الوطن مهما كان رديئا .
ولعل المقاطعة بهذا و ذاك أسلوب حياة ، غايته دولة ديمقراطية ، و فرد مواطن و تنمية مستدامة ، رياضة منتجة ، و تعليم تنموي ، و مجتمع حراكي و حركي ، وفن نبيل و ثقافة برسالة إنسانية ، و ليست المقاطعة مجابهة و حرب عرقية ،و إخواء للمجتمع من عقد اجتماعي واضح على رسالة و غاية واضحة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب