أضيف في 22 يوليوز 2018 الساعة 08:22

سؤال التعدّدية الدينية في فكر محمد الطالبي: ''قـــــــراءة في المنطلقــــات والأبعــــــاد''


Dr. Mougay Bilal
د.موقاي بلال
"الحوار بمفهومه الجديد، يقوم على قاعدة قبول واحترام الغير كما هو وكمـا يريد أن يكون، مشروع جــــديد وليـــــــــد عصر جــــــــديد، وعقليــــات جديدة، وعلاقــــات حديثة بين الدول والشعوب علـــــى أســــــــاس قبول التعدّدية" (محمد الطالبي).


مقدمة:
تعيش المجتمعات الإسلامية اليوم واقعاً مريراً يكرّس للتطرّف والعنف ويهدف إلى إقصاء الآخر وتهميشه؛ الأمر الذي أدى إلى نزعات وخلافات دامية داخل أبناء الأمة الإسلامية الواحدة. هذا ما يظهر بوضوح عند الجماعات الإسلامية المتطرّفة التي ترفض الحوار ولا تقبل بمسألة الاختلاف والتعدّد بين أبناء هذا الدين الإسلامي، ناهيك عن قبول الآخر الذي يختلف معها في الدين كاليهوي أو المسيحي.
إن مثل هذا الأمر أنتج تعصبا ودُوغمائيةً شلّت حركة تقدم الفكر الإسلامي، بحيث غَدا كلُ اجتهادٍ جديد بمثابة بِدعة ما أنزل الله بها من سُلطان، ووجب مناهضتها بالقوة لدرجة التكفير أو النفي والتهجير، أو ما شابه ذلك من أساليب الإقصاء والتهميش، دون أدنى محاولة لفهم ما جاء به هذا الآخر ولا حتى مناقشته في آرائه ـــــ وهم في ذلك يدّعون أنهم يمثلون الإسلام ويمتلكون الحقيقة ــــ وهذا ما ينافي ديننا السمح الذي يؤكد على مسألة الحوار وقبول الغير واحترامه مهما كان، سواء من داخل ديننا أو من خارجه.
في ظل هذا الجو المكهرب الخالي من الحوار والرافض للآخر، حاول المفكر التونسي "محمد الطالبي" (1921 - 2017) أن يسلط الضوء على مسألة الحوار ـــ بمفهومه الجديد القائم على الحرية والتعدّدية ـــ بوصفه مخرجا من هذه الأزمة الخانقة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم.
انطلاقا مما سبق يمكننا طرح التساؤل التالي:
كيف يمكن أن نصغي لبعضنا البعض، وأن نقبل بالآخر كما هو، وأن يقبلنا كما نحن، دون تبني أو إكراه؟
يتخلل هذا التساؤل العام الأسئلة الفرعية التالية:
1 ــــ ما موقف محمد الطالبي من مسألة التعدّدية بصفة عامة؟
2 ـــ ما هي أهم منطلقات الحوار مع الآخر عند محمد الطالبي؟
3 ـــ هل من إمكانية لحوار الأديان؟

1 ــــ محمد الطالبي وسؤال التعدّدية:
إن الملاحظ الحذِق للمشروع الفكري عند محمد الطالبي، أو المفكر القرآني كما يصف نفسه؛ سيجد بأن الاطار العام لهذا المشروع يدور ضمن سياق سؤال التعدّدية وفي اطار النهج المقاصدي، وهذا في جميع مقارباته للمسائل والقضايا المختلفة، ومن منطلق الرؤية هاته فهو يدعو إلى رحابة فكرية مهذبة تتجاوز الدوغمائية والتعصب المرضي، وتكون بالمقابل منفتحة على مختلف الآراء ومتعدّدة بتعدد الحقول والدراسات والسياقات.
في هذا السياق يرى الطالبي "أن التعدّدية أصبحت اليوم شيئا يفرضه الواقع" ، بل أننا نواجه تحدي التعدّدية، ومن ثّمة فإنه يجب علينا قبول هذه الأخيرة في قضايانا ومسائلنا المختلفة دينية كانت أو ثقافية أو تاريخية، لأن الاختلاف أمر طبيعي بين الأمم والأفراد، وذلك بفعل تباين الآراء والمعتقدات في العالم.
كما أنه "لابدا من تبيّن طبيعة الإنسان واحدة، ماركسيا نُفاتياً كان أو مسلما، فليس مهما أن يعيش الإنسان؟ وفي أي محيط ؟ طبيعة الإنسان تفرض عليه أن يختلف مع الآخر، بل الاختلاف لا يوجد بين الأفراد والجماعات فقط، نجده أيضا في صلب الكائن الواحد الذي تتقاذفُه أهواء متعاكسة، فإذا نظرنا إلى الإنسان في أعماقه وجدناه في مواجهة متواصلة مع أهوائه المتناقضة، فكل انسان مجموعة أناس في نفس الوقت يتعايشون داخل جلد واحد" . لذا فإن الاختلاف سنة الكون ولا مناص من قبوله.
وبما أن الطالبي مؤرخ ومسلم قرآني، فإنه عالج مسألة تأويل النص الديني من زاوية التعدّد والاختلاف، ومن منطق المقولة التي مفادها "كل يحتكم منا إلى اسلامه" ، فإن السؤال هنا يتمثل في كيف حلّل الطالبي هذه المقولة ضمن سياق الحضارة والفكر الإسلامي؟
بداية يعتقد الطالبي أن مسألة التعدّدية التي يدعوا لها ليست جديدة، بل هي قديمة وما "تأويلات النص القرآني مثلا ـــــ وهو النص الذي تلتقي فيه الأمة قد تبلغ حد التناقض الصارخ بين مختلف الاتجاهات الفكرية الإسلامية" . وهو ما كان مع الفرق الكلامية من معتزلة وأشاعرة وسنة وشيعة وخوارج...الخ، كل تلك الاختلافات المتباينة بينهم إنما مردها راجع بالأساس إلى مسألة قراءة وتأويل النص الديني بين فرقه وأخرى تبعا لغاياتها ومقاصدها.
من هذه الزاوية فإن "كل قراءة فكر يتعامل مع نص، فالنص واحد والأفكار متعددة، وهكذا لا مفر من تعدّد القراءات بتعدّد الأفكار، وذلك في ميادين القراءات، سواء كانت النصوص دينية أو أدبية أو تاريخية أو فلسفية وهلم جراً..." ، لهذا "فالتعدّديات الإنسانية ظاهرة طبيعية، وتمثل لونا من ألوان الإبداع الإلهي في خلق الإنسان وما ينزله الله من رسالات".
إن ما سبق يجعلنا نفهم بأن الطالبي لا يعارض مسألة تأويل النص الديني ما دام النص واحد وقراؤه مختلفون، مما يعني أن القراءات ستختلف وتتعدّد، لكن وبالرغم من هذا فإن الطالبي سيرحب فقط بالمحاولات الجادة التي حاولت تحيين النص الديني وإعادة بعثه من جديد وسيرفض بالمقابل المحاولات المتطرفة، التي حاولت التمرد بطرق ملتوية.
من ذلك رفضه لمساهمة كل من "محمد أركون" (1938 ـــــ 2010)، و"عبد المجيد الشرفي ((1942، في كتابه "ليطمئن قلبي"، لأنهم بنظره قدموا قراءات "تدخل في ما يسميه بالانسلاخسلامية، أي الانسلاخ من الاسلام (...)، فهم لا يقتنعون بالإسلام ويخادعون ومن واجبنا خلع القناع عن وجوههم حتى نتصرف معهم بكل أخوة وكامل بصيرة".
وعموما إن رفض الطالبي لهاتين المحاولتين ــــ مساهمة أركون والشرفي ـــــ وغيرها راجع بالأساس إلى رغبتهم في إزالة القداسة عن النص الديني وجعله بشريا، ليصير بذلك مثله مثل باقي النصوص الأخرى التي يحق لنا التعديل فيها كما نشاء ونريد.
كما أنه علاوة على ذلك رفض محاولات التقليديين أو الإسلاميين الذين يحتكرون مسألة تأويل النص الديني بالرجوع إلى ما قاله السلف كحقيقة لا تقبل النقاش، ومن ثمّة يدعون إنهم يمثلون الإسلام، لهذا قال الطالبي: "لا يحق لأي مسلم مهما بلغت درجته أن يتكلم باسم الإسلام ناسبا ضمنيا لنفسه العصمة، وأنه هو الوحيد الذي يفهم النص بحق وغيره حتما على خطأ (...)، فالله وحده يتكلم باسم الإسلام ــــ وكلامه حي بيننا ــــــــ ورسوله مبلغ عنه، وليس لأي مخلوق أن يقيم نفسه من تلقاء نفسه، مقام الله فيقع في الشرك". وبالرغم من ذلك ثمن سعيهم الحثيث للمحافظة على قداسة النص الديني وعدم جعله بشريا.
من هنا فالطالبي يرى بأن المقولة السابقة ـــــ كل يحتكم منا إلى إسلامه ـــــ لا مناص منها "فكل يتعامل مع النص بالطريقة التي يراها، فهناك من يتعامل مع النص تعاملا فيه امتداد لمنظومة الآراء التي تبلورت في القرنين الثالث والرابع، كما تعكسها له مخيلته لا الواقع التاريخي (...) والاسلاميون عموما يصرون على البقاء داخل هذه المنظومة وهم أحرار في ذلك ولهم موقفهم الذي يلزمهم (...) وإذا سلمنا بحرية المنضوين تحت مظلة السلف والمنظومة الفكرية الموروثة عنهم فينبغي أن يسلموا هم أيضا بحرية مخالفيهم في تعاملهم مع النص".
وفي ظل هذا الجدل القائم بين أنصار القراءات الحداثية، الذين يعتقدون أنه لابد لنا من التجديد في مسألة قراءة النص الديني باعتبار أننا أمة نص، وذلك إذا ما أردنا ان نخرج من قمقم الأزمة التي نعيشها. وبين أنصار القراءات الكلاسيكية الذين ظلوا متمسكين بتفاسير أكل عليها الدهر وشرب، والذين يرون بدورهم أن واقعنا الأسيف الذي نعيشه اليوم راجع بالأساس إلى الابتعاد عن ما قدمه اسلافنا كحقيقة لا تقبل النقاش. قدم محمد الطالبي مساهمة تجمع بين خصائص الطرفين مع رفضه لبعض جوانبهما.
تتجلى هذه المساهمة في ما أسماه "القراءة المقاصدية" للنص الديني ــــــ والتي كانت موجودة سابقا فقط عمل الطالبي على إعادة تحيينها وإعادة بعثها من جديد من زاوية تاريخية، فهو مؤرخ ويطبق المقاربة التاريخية في جميع مسائله ــــــــــ والتي هي بمثابة "تجديد للدين وإعادة قراءته وتأويله" ، فهي تحافظ على قداسة النص الديني وترفض أن تجعله بشريا، وكما أنها تسعى إلى التجديد في مسألة القراءة مع مراعاة مصادر التشريع والمتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
والقراءة المقاصدية هي قراءة تسعى إلى استجلاء القصد الإلهي وغاية الشارع عبر مسار التاريخ، باعتبار أن الفهم مشروع متجدد والتاريخ سير متواصل، وهذا وفق استراتيجية تراعي المسألة قبل التنزيل كيف كانت؟ وفي مرحلة ثانية تنظر للمسألة مع التنزيل وبفضل التنزيل كيف أصبحت، وانطلاقا من السهم الموجه عبر مسار التاريخ تسعى إلى الوقوف على القصد الإلهي وغايته. وهو ما طبقه الطالبي على العديد والمسائل المطروحة راهنا في الساحة الإسلامية من ذلك: مسألة الاسترقاق (الرقيق)، قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسألة ضرب المرأة وتعدد الزوجات، ومسألة شرب الخمر...الخ، معتقدا في هذا السياق أن هذه القراءة بإمكانها أن تساهم في حل الأزمة الخانقة التي تعيشها راهنا الأمة الإسلامية الرافضة لحرية التعدّد والاختلاف ومنطق قبول الآخر.
كما أن هذه القراءة هي اجتهاد فقط بنظر الطالبي، يأمل أن يتم احترامها ومناقشتها في اطار عقلاني، كما أنه هو الآخر ملزم باحترام الاجتهادات الأخرى ـــ رغم تعارضه معها ــــ ما دامت لا تستخدم العنف الجسدي ولا الإرهاب الفكري، وهذا ما يتم في اطار الحوار واحترام قناعات الآخرين كيفما كانوا، أما مسألة الاختلاف والتعدّد فهي رحمة بالأمة، من أجل تكريس الحوار والنقاش الخلاّق. وهنا نتساءل عن ما هي أهم منطلقات الحوار عند محمد الطالبي ؟
2 ـــــ منطلقات الحوار عند محمد الطالبي:
تعدّدت التعاريف وتنوعت بالنسبة لمفهوم الحوار بين الطرح اللغوي والاصطلاحي "فيذكر صاحب الوسيط، أن الحوار في اللغة مشتق من تحاور وتحاوراً، أي تراجعوا الكلام فيما بينهم، والحوار حديث يجري بين شخصين أو أكثر بهدف الوصول إلى الحقيقة". كما أن كلمة "حوار" Dialogue ذكرت في القرآن الكريم ثلاث مرات، هناك آيتين في سورة الكهف وهما (34 ــــــ 37)، وآية أخرى في سورة المجادلة وهي (الآية:1).
وفي الاصطلاح تعدّدت مدلولات وتعريفات الحوار بين المدلول السياسي والفلسفي، فمن الناحية السياسية هو "التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقيات مشتركة في إطار شامل ومتوازن بين كيانين سياسيين مختلفين (...)، بقصد الوصول إلى اتفاق". ومن الناحية الفلسفية "هو تبادل الكلام ومراجعته، وهو ما يقتضي وجود مخاطِب ومخاطَب، وغايته توليد الأفكار في ذهن المتكلم لا الاقتصار على عرض الأفكار القديمة، وفي هذا تجاوب للمعاني وإغناء للمفاهيم يفضيان إلى تقدم الفكر".
من هذه الزاوية فإن للحوار ركنان أساسيان يتم فيهما، الأول متعلق بوجود أكثر من مُحَاوِر، وهذا حينما نتحدث عن الحوار الخارجي لا الداخلي، لأنه من الاستحالة بمكان أن نحاور خارج ذواتنا من دون أن يكون هناك طرف آخر يشاركنا الحوار بشأنها، كما أنه من غير الممكن أن يتم الحوار في فراغ، إذ لابدا من أن تكون هناك قضية هي بالفعل أهلا لهذا الحوار.
كما أن الحوار أنواع، فمن حيث الشكل هناك حوار هادئ وحوار متشنج، ومن حيث المضمون، هناك حوار منفتح وحوار متزمت، وحوار الاستزادة من المعلومات والثقافة، وحوار المهاترة أو الادعاء، وحوار الحقيقة وحوار المنافع الشخصية، وحوار منفتح وحوار عقيم، ومن حيث منظور الأشخاص هناك حوار مع الجاهل وحوار بين الشباب والشيوخ، وحوار بين الخاصة والعامة، وحوار بين الحاكم والمحكومين.
اعتمادا على ما سبق يحتل الحوار مكانة سامقة في تفكير محمد الطالبي، الذي قال بصريح العبارة: "أنا أدعوا بإلحاح إلى حوار منفتح داخل الأمة الإسلامية على اختلاف نزعات عائلاتها الفكرية وبدون احتواء من طرف هذا النظام السياسي أو ذاك".
لكن السؤال هنا والذي يطرحه الطالبي يتمثل أساسا في "كيف نقنع الناس بهذا الحوار وضرورته؟" ومن ثمّة حاول الإجابة عليه من خلال وضعه لجملة من المبادئ والمنطلقات التي يجب أن تفعِّل عملية الحوار وقيامه على أسس صحيحة، وهذا من منطلق الواقع الأسيف الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية اليوم، حيث قال: "أنني اتحدث كإنسان ملتزم بجملة من المكونات الأساسية في شخصي وفكري". وفيما يلي عرض لأهم هذه المنطلقات والمبادئ:
1 ـــــ الحق في الاختلاف:
ضمن منطلقات الحوار عند الطالبي يأتي الحق في الاختلاف كأول هذه المنطلقات، هذا ما أكد عليه بالقول: "أنه على كل إنسان أن يقبل التعدّدية، ومعناه أن يقبل التعايش السلمي مع غيره على قاعدة حول الاختلاف، ولو حققنا هذا نكون قد خطونا خطوة كبرى إلى الأمام". تكون قمينة بدرء مثالب الصراع والتناحر الذي تشهده الساحة الإسلامية اليوم.
فليس لأحد الحق في أن يفرض على الآخرين ما يؤمن به وما يعتقده بالقوة والقهر والغلبة ويعمد إلى إقصاء الآراء الأخرى بكل ما أوتي، لهذا يرى الطالبي بأنه "أليس من الأحسن والأفضل أن نوجه تفكيرنا بصفة أنجع وأكثر واقعية وأكثر ملائمة لظروفنا ؟ هذا هو السؤال الذي أطرحه، وهذا ما ينبغي أن يكون محل حوار المفكرين المسلمين بدون استثناء، ودون أن نقصي من ذلك لا السيد قطب ولا حسن البنا ولا فرج فودة، ولا المودودي ولا علي عبد الرازق ولا فاطمة مونيسي ولا نوال السعداوي، ولا غير هؤلاء (...)، إن الشرط الأساسي هو أن لا يقول أحد أنا الإسلام، وأنا أتكلم باسم الإسلام، لأن تلك هي المعضلة الأساسية، وحلها هو أن يقول كل واحد منا أنا مفكر متواضع مسلم، أسهم برأي في حل مشاكلنا دون إرهاب فكري ولا جسدي".
إذا فلا مناص من حوار مَرِن "يريح ويرضي ضمائر وشرائح عريضة من المجتمع المسلم عقيدة عن اقتناع، وسلوكا عن وعي، كما يوفر حق المخالفة والاختلاف للمخالف، مهما كانت دواعي مخالفته واختلافه". وهذا بعيد عن التعصب وإباحة الدماء، أو الدعوة للنفي، أو حتى تطليق الزوجات من مفكرينا و ما شابه ذلك.
ومن هذه الزاوية يرفض الطالبي مثل هذه الأمور المشينة ويدعوا بالمقابل إلى حرية التعبير، والتي هي حق مشترك بين الجميع، لأن الله ميزنا بها. وهذا ما عبر عنه بالقول: "كل ما أستطيعه هو أن أعبر عن رأي ويعبر الطرف المقابل عن رأيه دون أن ينزل أحد نفسه منزلة الحكم والصوت المتكلم باسم عقيدة من العقائد، ليمنح نفسه حقا لم يعطه له أحد". كما أن الحوار "يتيح للإنسان فرصة الاطلاع على الرأي المخالف (...) وحينما يطّلع الإنسان على الرأي من منابعه وينفتح على مصادره ويناقش أصحابه مباشرة، تكون الرؤية أمامه أوضح وأجلى".
2 ـــــ تجاوز التسامح:
يعد مفهوم التسامح من الركائز الأساسية التي قامت عليها الرسالة المحمدية، فالإسلام دين صفح وعفو وتسامح، دين إخاء ومودة، لكن الجدير بالذكر أن استخدام هذا المصطلح بدأ فقط منذ "القرن السادس عشر في خضم الحروب الدينية التي كانت بين الكاثوليك والبروتستانت، انتهى الأمر من جراء هذا إلى تساهل الكاثوليك مع البروتستانت وبالعكس".
في هذا السياق يكون الغرض من التسامح تجاوز الخلافات عن طريق تنازلات يبادر بها أحد الطرفين أو هما معا، مراعاة للمصلحة العامة والإبقاء على أواصر التعاون، وقد يعني العفو من طرف على آخر رأفة به وشفقة عليه رغم الاقتدار والقدرة على إلحاق الهزيمة به والانتصار عليه.
إن مثل هذا التصور جعل من الطالبي يرفض التسامح حيث قال: "أرفض التسامح وقبول أشياء أدينها، ولكنني لا أجتثها من جذورها ولا أقتلعها سماحة مني، فالتسامح فضلٌ ومَنُّ، وأنا أرفض هذا الموقف، ولئن كان هذا الموقف في العصور الوسطى خطوة إلى الأمام، بل خطوة خارقة للعادة، لأنها مكنت من احتمال الغير بالتفضل عليه، فإنه الآن في القرن العشرين لا يكفي.
ولكن الجدير بالذكر هنا أن الطالبي لا يرفض التسامح بالمرة، بل أنه عكسا لهذا التصور يقر ما للتسامح من دور ايجابي في تعاملاتنا اليومية المختلفة سواء داخل البيت الواحد أو بين الزملاء والأصدقاء أو المقربون وهو ما اعتبره الحد الأدنى من السماحة الضروري لكل مسلم التحلي به والإيمان به، بحكم أن ديننا يحث عليه ويزكيه.
إن رفض الطالبي للتسامح يتجلى في اعتباره منطلقا في الحوار، لأنه بنظره يقتضي القيام بتنازلات في مسائل أؤمن بها اعتقادا راسخا ويستحيل التخلي عنها، لذلك في ظل ضرورة الحوار، وفي ظل رفضه أن يكون التسامح مبدأ أساسيا للحوار، يرى الطالبي بأن الحل "يكمن في تجاوز التسامح إلى أكثر من التسامح، إلى الاحترام المتبادل، على حق الغير في المخالفة والاختلاف انطلاقا من قناعاته وانسجاما معها".
3 ـــــــ احترام الغير:
يشير جميل صليبا في معجمه الفلسفي بأن الاحترام Respect تعني احترم الشخص أي هابه، والاحترام شعور خاص يتضمن الاعتراف بما لبعض الأشخاص أو المثل العليا من قيمة أخلاقية. كما أن "الاحترام والتقدير واقعه انسانية ينشأ عبرها الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر، وكل احساس بالمسؤولية يتضمن قبول الغير كما هو والندية ثانيا".
لهذا يرى الطالبي بأن التسامح لا يكفي ما دام يقتضي المن والتنازل ويجب تجاوزه إلى الاحترام، لأنه يقتضي الندية والمساواة، هذا ما عبر عنه قائلا: "يجب أن ننتقل إلى مرحلة أخرى هي مرحلة احترام الغير، والاحترام ليس تفضلا بل هو حق من حقوق الغير، وكل الناس سواسية في هذا الحق، حق الاحترام المتبادل". وهو ما وجده الطالبي غائبا على الساحة الإسلامية التي تكرس للتطّرف والتعصب ولا تقبل بمسألة احترام الآخر بالشكل الذي يبتغيه لنفسه انطلاقا من قناعاته وآرائه.
إذا "لا يوجد إلا حل واحد لا ثاني له، الحوار وقبول الغير، الحوار يعني التسامح وتجاوز التسامح بالاحترام وقبول الغير يعني الحق في الاختلاف وأن يكون المرء كما يريد أن يكون فيما بينه وبين ضميره وخالقه".
وفق هذه المنطلقات الأساسية للحوار يسعى محمد الطالبي إلى تطبيقها على مسألة حوار الأديان مستعينا بقراءته المقاصدية، فهل من إمكان لحوار الأديان؟
3 ـــــــ من أجل حوار بين الأديان:
انطلاقا من القراءة المقاصدية التي ينتهجها الطالبي في تعامله مع النص الديني، فإنه يفهم الآيتين التاليتين وفق ما يلي:
ــــــــ قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. (سورة النحل، الآية: 125)
ـــــــــ قوله سبحانه وتعالى أيضا: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. (سورة العنكبوت: الآية: 46)
إن هاتين الآيتين تكرسان للحوار ومنه يستمد شرعيته، حيث يحثهم على التحاور بين أهل الديانات الأخرى، وبخاصة أهل الكتاب منهم.
كما أنه فضلا عن ذلك يرى الطالبي بأن شرعية الحوار ايضا نجدها أيضا ـــــ على غرار ديننا ـــــ "في تاريخنا وثقافتنا ذات الأبعاد العالمية، كان الحوار قائما بين المسلمين والمسيحيين، وكثيرا منهم كان ينظم في بلاط الخلفاء، ولذلك انعكاسات هامة في مؤلفاتنا القدمة، وخاصة بالملل والنحل".
من هذا المنطلق الحوار بين الأديان أمر يقره ديننا الحنيف ويؤكده تاريخنا المجيد، ومنه فلا مناص من قبوله والقيام به، لأن الإسلام كدين لم يكن مفصولا عن الأديان السابقة فلقد سبقته كل من الديانة اليهودية والمسيحية، وهذا بصريح النص القرآني، حيث قال الله سبحانه وتعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}. (سورة آل عمران: الآية: 3، 4)، فالله بذلك يدعونا إلى الإيمان بالكتب والديانات السابقة، لأن رسول الله (ص) لم يلغ ما كان قبله، إنما ختم ما كان، فكان خاتم الأنبياء والمرسلين.
ولو تأملنا في القرآن الكريم، فإننا نجد أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس جميعا فهو {رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة الفاتحة: الآية: 1)، كما أنه قال في سورة الناس {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)}. (سورة النساء: الآيات: من 1 إلى 6). من هنا فالله ليس بإله العرب لوحدهم أو الغرب لوحدهم، أو غير ذلك من الأمم والأجناس، ومن ثمة فإنه لا يحق لأحد أن يحتكره لنفسه، فهو رب الناس أجمعين، كبيرهم وصغيرهم، رفيعهم وحقيرهم، غنيهم وفقيرهم.
"فما دام أن الله يخاطب الناس، فكيف لا نحاور جميع الناس؟ ! الله يحب كل خلقه ويحب لهم الخير والهداية والسعادة، ومهما كانت الاختلافات بيننا وبين أهل الكتاب عميقة جذرية وغير قابلة للتفاوض والتجاوز، فإن المقام المشترك الذي يجمعنا في الإيمان بالله وباليوم الآخر أساسي، وحب الخير والغير يؤهلنا في كثير من الميادين أن نتحدث لغة واحدة، فيجب أن يصغي بعضنا إلى بعض ولا يتم ذلك إلا بالحوار".
من هذه الزاوية يدعو محمد الطالبي إلى حوار ديني بين اليهودية والمسيحية والإسلام، من أجل تجاوز الصراع والجو المكهرب الذي كانت تعيشه هذه الأديان، ونظرا لتأكيد القرآن على شرعيته انطلاقا من الآيات السابقة؛ فــإن "هذا ما يستحق أن نذكر به المتعصبين المسلمين" ، الرافضين له بحجة أنه قد يحرفنا عن ديننا أو حتى يشكك في معتقداتنا لدرجة التنازل عن بعض منها.
لهذا ليس القصد من حوار الأديان كما يؤكد على ذلك الطالبي، هو القيام بالعمل التبشيري أو بالأحرى تحريف الآخر عن دينه، إن الأساس بالنسبة إليه يتمثل أساسا في "قبول الغير كما هو وكما يريد أن يكون انطلاقا من قناعاته". لذلك "يجب أن نتخلى نهائيا عن أن نجعل الحوار ــــــ في السر أو العلانية ـــــ قلب الغير إلى ديننا (...)، هذا مسلك رفضناه وسنرفض باستمرار سلوكه، ليس الحوار خديعة". بل هو من أجل الاطلاع على الغير في معتقداته وحضارته وما غير ذلك في اطار رحابة متعددة ومهذّبة.
إن القرآن الكريم حينما يقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. (سورة آل عمران: الآية: 64). "فهذا اعتراف ضمني بهوية كل طرف وليس إلزاما بالتخلي عن دينه ومعتقداته المكونة لهويته الدينية، وهو ما يعني أن الحوار في الشريعة الإسلامية لا يهدف إلى تغيير عقيدة الآخر وإلزامه بالإيمان بالإسلام شرطا للحوار، وإنما الاتفاق على المشتركات والانطلاق منها سويا" ، لأن الصراع بين الأديان لا يفضي إلى نتائج حميدة، بل بالعكس من ذلك تترتب عنه نتائج وخيمة على البشرية، ما دامت هذه الأديان تشغل حيزا هاما في العالم.
إن التأكيد على المشتركات هو ما يؤطر عملية الحوار الديني، في ظل بعض الأصوات التي تتعالى هنا وهناك رافضة لهذا الحوار، والتي "لو بقينا أسرى لها لحكم علينا أن نظل دوما في جو من التطاحن والتصادم". وهو ما نحاول تجاوزه إلى جو من التآخي والتأنس والتعايش والمحبة. لذا "فالغاية من وراء الحوار هي أن يشتمل في يوم من الأيام كامل الأديان، وأن يعم أيضا غير المعتقدين" ، ضمن عائلة كبرى يكون الله على قمتها، وبوصفنا أفرادا لها معتقدين وغير معتقدين، فإنه يجب أن تجمعنا محبة الله والتأكيد على ما يوحد أكثر من التركيز على ما يفرق.
لكن لا يعني هذا أننا نجعل من الحوار وسيلة للتسامح في مجال المعتقدات الدينية، هذا ما يرفضه الطالبي رفضا قاطعا، ويدعوا إلى تجاوز التسامح إلى الاحترام الذي يعني قبول الآخر كيفما يريد وبالشكل الذي يريد، لكن عليه بالمقابل أن يقبلنا نحن أيضا كيفما نريد وبالشكل الذي نريد.
وفي الختام يؤكد الطالبي بالقول "لقد أردنا الحوار وما زلنا نريده نريد منه أن يكون جسر تفاهم لا مواجهة بين كل القناعات الدينية على اختلاف أنواعها، والمنهجيات في كل اشكالها، نكرر الحوار اكتشاف الغير واحترامه، كما هو وكما يريد أن يكون من دون أن نزف له بشرى أو نقدم له دعوة، نكتفي بشهادة اختيارنا وسلوكنا، ويبقى الغير حرا في أن يكتشف البشرى إذا ما أراد، وأن يصغي إلى الدعوة إذا ما شرح الله صدره للإسلام".
إن مسألة الهداية موقوفة على الله سبحانه وتعالى، حيث يقول: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. (سورة القصص: الآية: 56) فنحن "نبذر البذور التي نأمل أنها ستنبت في يوم من الأيام ثمارا طيبة، ثمارا تجعل البشرية قابلة للتعدّدية، قابلة للاختلاف، قابلة للتعايش السلمي (...)، فكل يضطلع بنفسه وكل حسابه عند ربه" ، هو أدرى بحالنا وأعلم بنفوسنا وأعمالنا بين يديه.
إذا لا مناص من رحابة الاختلاف، ومن ثمّ قبول الآخر كما يؤكد الطالبي، ولا بديل عن الحوار والتعايش السلمي في ظل الاحترام المتبادل ما دام كل مسؤول عن نفسه، أما اختلافاتنا التي بيننا والمتباينة فنفوض أمرنا فيها إلى الله، تلك هي غاية الحوار ومقصديته التي يهدف لها الطالبي وهي الإصرار على الاحترام.
خلاصة:
من خلال تطرقنا في هذا المقال للعناصر الثلاث التالية:
1 ـــــــ محمد الطــــــالبي وســـــؤال التـــعدّديــة.
2 ــــــ منطلقات الحوار الديني عند محمد الطالبي.
3 ـــــــ مـن أجل حـوار بيـــــن الأديـــــان.
توصلنا إلى نقاط مهمة هي كالتالي:
1 ــــــ يحتل سؤال التعدّدية داخل المشروع الفكري لمحمد الطالبي مكانة هامة ومتميزة، ذلك أن التعدّد والاختلاف سنة الله في الكون، ولا مناص من عدم التعاطي معهما.
2 ــــــ من هذه الزاوية كان موقفه بالنسبة لمسألة تأويل النص قائم على فكرة التعدّد والاختلاف بين القدماء والتقليديين وبين الحداثيين، فكل يحتكم إلى إسلامه، وبالتالي إلى فهمه الخاص، وهو ما دفعه هو الآخر إلى نهج طريقة في مسألة تأويل النص الديني تعرف بــــ "القراءة المقاصدية" التي تجمع بين خصائص القراءات الكلاسيكية والحداثية وتسعى إلى فهم القصد الإلهي وفق مسار السهم الموجه عبر التاريخ.
3 ــــــ وفق هذه المقاربة حدد الطالبي مجموعة من المنطلقات للحوار تمثل بالنسبة إليه الأرضية التي ينطلق منها في مقاربته لعديد المشاكل لعل أهمها: الحق في الاختلاف، تجاوز التسامح، والاحترام.
4 ـــــــ إن الحق في الاختلاف يعني الحرية ويعني القبول دون فرض للآراء أو أي تعصب أو أي إرهاب فكري، كما أن تجاوز التسامح يعني رفض المن والتنازل عن المعتقدات الراسخة التي يستحيل التفاوض بشأنها، وتجاوز التسامح يقود إلى الاحترام، أي احترام الغير كما هو وكما يريد أن يكون.
5 ــــــ كتطبيق لهذه المنطلقات دعا إلى تكريس فكرة حوار الأديان، التي تجد شرعيتها في النص القرآني وفي تاريخنا المجيد، لأن الله سبحانه وتعالى إلــه الناس أجمعين، وما دام كذلك فهو حق للجميع، وهذا ما يجعلنا نحاور الناس على اختلافهم وتنوعهم.
6 ــــــ لا يهدف حوار الأديان إلى التبشير أو إلى إبعاد الآخر عن دينه، إنما الهدف الأساسي يتمثل في خلق جو من التفاهم عبر ربط جسور التعاون والمحبة والتعايش في ظل أمل قائم أن يعم هذا الحوار غير المعتقدين أيضا، بحثا عما يجمع أكثر من البحث عما يفرق، فقط الأساس هو أن تحترمني واحترمك، أن تقبلني وأقبلك.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Dr. Mougay Bilal

فلسفة اللغة والتواصل   / أدرار , الجزائر