أضيف في 22 يوليوز 2018 الساعة 00:54

إلى مستشارينا الأفاضل: أضيفوا كسرة خبزنا لدسامة موائدكم


نورالدين الطويليع

وأنتم تدافعون باستماتة قل نظيرها عن معاشاتكم، وتتذرعون بضيق ذات اليد، وبالفقر والحرمان، وتصرون على تثبيت قانون تقاعدكم لكي يقيكم شر العوز المستطير، لا بأس أن نعلن نحن ـ مسحوقي الوطن ـ تعاطفنا معكم، وتضامننا المطلق، ووقوفنا إلى جانبكم في محنتكم التي حولتم معها قبة البرلمان إلى حائط مبكى ذرفتم عليه دموعا اهتزت لها قلوبنا، وسقطت معها من عيوننا عبرات الأسى والأسف على ما آل إليه وضعكم وأنتم تتسولون معاشا يقيكم شر صروف الدهر.
لرهافة إحساسنا لن نترككم تواجهون مصيركم لوحدكم، لأننا نوثر على أنفسنا، ولو كان بنا خصاصة، فنحن نضع رهن إشارتكم أجورنا الهزيلة، خذوها كلها، أو جزءا منها، أو زيدوا عليه، أو انقصوا منه، فأنتم أحرار، وكل شيء يهون في سبيل كفكفة دموعكم، ورسم الابتسامة على وجوهكم التي علاها صدأ حزن كاد يزهق "أرواحكم"، ويجعلكم تتساقطون الواحد تلو الآخر، لترسموا "ملحمة شهداء المعاش"، وتسجلوا للتاريخ وللوطن حكاية التمسك بالحق والاستماتة والقتالية في الدفاع عنه.
لأننا تعودنا على حياة الشظف، ولأننا وكسرة الخبز الحافي في حلف استراتيجي، يجمعنا وإياها ميثاق غليظ، فلن نطلب غيرها، وكل ما فضل لدينا موهوب لكم، فكلوه هنيئا مريئا، ولا تترددوا في طلب المزيد، ولأجل راحتكم، سنصل الصيام يومين وثلاثَ ورباعَ، ولن نستنكف أو نرفض إذا طلبتم منا المزيد، لأننا نعلم أن بطونكم تحتاج إلى ضخ كميات زائدة من المؤونة الدسمة الضخمة، عكس بطوننا التي يجب أن نعلمها أن قطعة خبز جاف كافية لأن تقيم صلبها، وإن طمعت وشطت في الاشتهاء، فلا بأس من تعهدها بكأس شاي وحبات زيتون بين الفينة والأخرى.
أنتم الأخيار الأطهار المصطفون لتمثيلنا من حقكم أن تنعموا بآخر "موديلات" السيارات، أما نحن فيكفينا أن نمتطي الدواب، وفي أحسن الأحوال الدراجات العادية، أما النارية، فقد حذرنا رئيس حكومتكم السابق من مغبة الإفراط في استعمالها، مخافة أن نكون من المبذرين للطاقة، والمبذرون إن كانوا منا فهم إخوان الشياطين، وإن كانوا منكم، فمعاذ الله، لأنكم الراضون المرضيون، ولا يضيركم ما فعلتم وما بذرتم بعد الفتح المبين، فتح الانتخابات وامتطاء صهوة اللوائح الفائزة...فمن باب السمع والطاعة تركنا لكم محطات الوقود لتدخلوها كما دخلها الذين من قبلكم ببطاقات التموين، ولتملؤوا خزانات سياراتكم عن الآخر، فلا حق لنا في مزاحمتكم، وسامح الله من بدل وأَوَّلَ فاعتبرنا مقاطعين، وما نحن كذلك، وما ينبغي لنا أن نفعل.
لكم أن تختاروا أفخم الفنادق المصنفة، ولنا أن ندخل زنازننا ولا نبرحها، مخافة أن يبطش بنا سوء الأدب والتطفل على مقامكم العالي بالصفة البرلمانية الشريفة، اختاروا أجمل الوجهات السياحية عبر العالم، تجولوا كما يشاء لكم الهوى، فلا تثريب عليكم، بل أنتم مأجورون، لأنكم تروحون عن أنفس أتعبتموها أياما وشهورا وسنواتٍ بالكد والسعي من أجل راحتنا.
اختاروا أغلى الملابس وأغلى ماركات العطور، أما نحن فالأسمال ورائحة عطننا تكفينا، فقط لا تنسوا أن تصدروا التوصيات لرؤساء المجالس المحلية بزيادة الاعتمادات المخصصة لمحاربة القمل والبراغيث، وغسل رؤوسنا بمبيداتها، عساها تقتلها وتقتل العصيان المقيم في رؤوس بعضنا وعدم التقدير الساكن في قلوب البعض الآخر.
في العصور الوسطى خاطب قساوسة الكنيسة عموم الناس أمثالنا قائلين: "من أراد الملكوت (الجنة) فخبز الشعير والماء كثير عليه)، وحذروا من يشط في السعي إلى الغنى فقالوا: "لن يلج الجنة غني حتى يلج الجمل في سم الخياط"، ولكم أنتم كذلك أن تحذوا حذوهم وأن تقولوا بدوركم: "من أراد الأمن والاستقرار فالجوع سبيله، وكسرة الخبز اليابس منتهى مُنَاه، ولن يدخل جنة الانتماء إلى الوطن من جحد وأنكر حتى يلج الجمل في سم الخياط".
فيكم الإسلامي الذي كان ديدنه تكرار حكايات الزاهدين، وترديد لازمة المرملين الذين لا يتوانون عن مساعدة الناس رغم حاجتهم، وفيكم اليساريون الذين نددوا، وما فرطوا، بالفوارق الطبقية، ودعوا "مخلصين" إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم الطبقي، وأنتم الآن بتعدد ألوانكم تنزلون على أرض الواقع أطاريحكم وأفكاركم الألمعية، فنعم الوفاء للانتماء الذي أنتم عليه سائرون وبعهده متمسكون، ولنا أن نرفع رؤوسنا عاليا لنفخر بكم ونباهي بكم الأمم، ونتعوذ صباح مساء من تزايد أعداد من سيحسدوننا على نعمتكم التي أنعم الزمن بها علينا.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب