أضيف في 21 يوليوز 2018 الساعة 14:42

تقاعد البرلمانيين ، موت السياسة


رشيد اليملولي
تقاعد البرلمانيين ، موت السياسة .
لا يسائل مشروع قانون تقاعد البرلمانيين المقدار المالي " الزهيد " المزعوم ، و المرصود لسد عوز و حاجة و فاقة نواب الأمة ، حسب ما يتم الترويج و التطبيل له ، حتى يتم استدرار تعاطف عينة كبيرة من المجتمع ، و يكتسي طابعا شرعيا في الوجود و الصيغة ، بقدر ما يمس الثقافة السياسية ، التي أصبحت علامة راقية على الاسترزاق و الضحالة و الخواء ، و ارتقت إلى سمة تميز في الدرجة و النوع المجال السياسي المغربي .
يمكن أن نفترض أن نواب الأمة يعانون العوز و قلة اليد و ضعف الحيلة في الحصول على مصدر رزق قار ، يقيهم حرارة خريف العمر ، و لكننا نستطيع أن نؤكد و نجزم و بالتقارير الرسمية و الدولية ، أن شرائح مهمة من المجتمع تفترش السؤال ، و تستجدي عطف المارة و رواد المساجد ، علها تظفر بما يطفئ لوعة البطن و حرارة الجوف ، و مرارة الضنك .
و يمكننا أيضا أن نفترض أن المجهود التشريعي و الاجتماعي الذي يبذله نواب الأمة ، يجيز تخصيص قدر من المال عربونا على العمل التشريعي الهادف و الدال و اللإستباقي ، و لكننا نعتقد جازمين أن مستوى الخدمة ، و درجة الفاعلية السياسية ، لا يرقى إلى مستوى المبلغ المالي المرصود للتقاعد ؛ فهل يجوز وفقا لذلك أن نعوض من لا يعمل عفوا من لا يشرع ، و إن شرع فلخدمة مآربه ؟ .
مهما كانت الافتراضات ، و مهما كانت طبيعة الحجة ؛ فإن الفاحص للمردود و الحصيلة السياسية و الاجتماعية ، و المستوى الثقافي المرافق لها ، و الحجاج المقدم قرينة ، يفرض ليس الرفض فقط ، و إنما إعادة النظر جملة و تفصيلا في المنظومة ، و مقومات وجودها و استمرارها ، لا لشيء سوى أن المعطيات المقدمة ، تخالف نظريا و عمليا كل تقويم أو تقييم مهما كان موضوعيا ، لدرجة أضحى فيها رد الفعل العملي و الافتراضي مفتوحا على آفاق و سيناريوهات مفتوحة على جميع الاحتمالات ، قد تعصف بكل المجهودات المبذولة سلفا لتجاوز عائق الثقة ، و مصداقية العمل السياسي و الفكر المتعلق به، و الأنكى الاعتقاد في الحل الجذري و المتطرف و العنيف ، غير أن الدال في هذا المستوى هو تجاوز مصدر الشرعية السياسية ، و الإجهاز الممنهج على طاقاته و حيويته ، و نقصد المجتمع بمختلف مكوناته ، و نكاد نجزم أن المحاولات الحثيثة لتقزيم المجتمع ، و من ثم الكتلة التاريخية المتضررة ، هو عمل استراتيجي و بناء لهدم و تقويض الدولة من الأساس ، و إفراغ المجتمع من أي دلالة حقوقية و ثقافية و علمية ، و إنما خلق جحافل المريدين و المنتفعين و الطيعين لكل الأوامر مهما كانت كلفتها ، حيث يجري بالملموس بتر المناعة اللازمة ، و تحويل العلاقات بين مكونات المجتمع الاجتماعية و المؤسساتية ، إلى مقومات الشك و الريبة و الحذر و الحيطة ، و بناء علائق الهمزة و الفجائية و الميكيافيللية في صيغها الحدية ، و تقنين هذا المستوى من التواصل و العلاقة المرضية ، بالتحايل تحت مبرر الظلم المنظم و النهب المؤسس ، و تسويق الريع على أساس أنه الثقافة السياسية التي يجب أن تسود ، بإيعاز من النفعية المفرطة ، و ترويج الأباطيل من موت الايديولوجيا و انتهاء عصر الفكر و الفلسفة و الفن ، و سيادة التقنية و مجتمع الاتصال ، و الاقتصاد الذي يقتل المجتمع ، لا الذي يحييه و يمنحه المناعة اللازمة .
ليس خافيا أن التجربة السياسية برمتها قد أصبحت إشكالا بالمعنى الفلسفي و الفكري ، و على المستوى الوجودي و الرمزي ، بحكم دفاعها المستميت ، و ارتكانها إلى ابتداع و خلق الأدوات المدافعة عن اللعب السياسي و تعميق و تجدير معناه، و تعميق النزوة المرتبطة به ، يبقى بناء على ذلك المجال السياسي حكرا على قوى المخزن و التيارات السائرة في فلكه ، و طغيان سياسة التغلب و الشوكة ، و استقواء الدولة على المجتمع ، و بالمقابل تهاوي الصراع المبني على الأفكار و القيم و التصورات ، لصالح منطق القراءات الأمنية و المصالح المرتبطة السياسية في أفقها الضيق .
الدفاع عن العمل السياسي هو بالضرورة دفاع عن الفكرة و المؤسسة ، و قيمة الفرد و المجتمع ، و خلاف ذلك يعني البحث عن النزوة و الغنيمة و المصلحة في صيغها المبتذلة ، فلا يعقل أن يبحث مستشار أو برلماني عن تقاعده المريح ، و مواطن يفترش الخلاء و يأكل الخواء و القمامة ، و مواطن ضحى بالغالي و النفيس يحصل على معاش لا يتجاوز أحيانا مائتا درهم في الشهر .
أن تتحول السياسة إلى حرفة يعتاش منها ، معناه موت فكرة ، و موتها يعني هلاك قيمة النضالية و المروءة ، و إفلاس المواطن السياسي باعتباره قيمة ، أن تتحول السياسة إلى هرولة نحو منطق " الرفاه " الشخصي ، و تمتيع الذات بالحدود الدنيا للعيش الكريم ، في تحد سافر لقيمة و رمزية و شرعية السلوك و القيمة و القانون و النظام و المؤسسة ، في ذلك دلالة منطوقة و مفهومة أننا إزاء كائنات غير سياسية ، هي أقرب للدهر منها للقيمة و الإنسان ، و في ذلك فليتنافس البرلمانيون ، و مرحى وفقا لذلك برعايا السياسة و أشباه الساسة .
في الأصل السياسة فكرة و ليست دراهم أو دنانير ، و حين تنتقل العملية من الفكر إلى الدرهم ، فلا شك أننا بصدد فكرة تتجر ، أو نحن أمام سوق تعير فيه و تقاس الفكرة بالدراهم ، و لا عجب في ذلك أن يطالب الكسول بمنحة دراسية ، و أن يطالب ضابط صف برتبة عقيد ، و أن ينافح أمي سياسي عن نزوة بالتشريع و القانون ، و الأغرب من ذلك أن يصبح العمل السياسي في عرف المجتمع أهون من جعل على قمامة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب