أضيف في 20 يوليوز 2018 الساعة 08:34

عطاء


فارس محمد عمر
كل شيء يعطي ويقدم ويُهدي مرارا!
لكنّ لذّاتٌ عاجلة بتراء أذهلته وانصرف إلى أضواء وضوضاء عن ذاك العطاء المنهمر فعمي عن معانيه ثم نسيه وخسر علومه وحِكَمَه. كأن جوارحه لا مرجع من وراءها إسمه العقل، ولا ذائقة في جوهره إسمها الوجدان، فطاشت الأيدي والأعين وتوحشت الأسماع والألسن واضطربت الأرجل والأحوال.
نخيل وأشجار وحشائش تبث أكسجين الهواء كل نهار.
شمس تنير وتجفف رطوبة الأوكار وتطهر آلاف آلاف الأسطح من الجراثيم وتهبنا الفيتامين.
بهائم تقدم غذاء ولبنا وكساء.
تراب يُهدي معادنا وفحما وألماسا وزجاجا ونفطا وبنيانا ويحتضن أمواتا يحفظ كرامتهم من الأحياء، ويبذل جوفه مبتلعاً ما ينصب ويلقى فيه كل ساعة.
بحر يرفع بخاره سحابا ويقدم الملح واللحم ويحمل البضائع.
ومن حول ذلك كله نسيم مشاع يعطي مادة الحياة كل ثانية للأنفاس، يحمل طائرات ومسافرين، ويبتلع أدخنة وروائحا وهبابا.
عطاء الأشياء منتشر حول إنسان اليوم، من تحته ومن فوقه، لا يعدله عطاء الانسان مهما بلغ ثراؤه وعطاؤه، لأن تلك الأشياء تبذل بصمت وسخاء واعتياد، بلا منة ولا حرج ولا كبر ولا تردد ولا شكوى.
أي عبَر وحِكَم أسمى وأعظم؟ أي درس أبلغ ينبه امخلوق المكلف أن الحياة معابر ودورات، جداول وأنهار، أن كل شيء يفضي لآخر ولا ينتهي بل يعود فيتلقى من غيره.
معيشتي لا يمكن أن تكون أخذاً إلا من أجل العطاء، ولا اكتسابا إلا من أجل البذل، وسعادتي هي من سعادة غيري.
ما فاض مما عندي ليس ليبقى في قلبي وجسدي وخزانتي ومصرفي، بل ليمتد إلى قلوب أمثالي وحاجات إخوتي من البشر، حتى أكون إنسانا حقا، إنسانا حياً بحب العطاء وبعطاء الحب.
----------


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فارس محمد عمر

, العربية السعودية