أضيف في 19 يوليوز 2018 الساعة 19:14

المواطن المغربي وسلاح السخرية من معاشات البرلمانيين


نورالدين الطويليع
أخرج إقرار البرلمان المغربي قانون معاش البرلمانيين المواطنينَ إلى ساحات التواصل الاجتماعي مدججين بلغة السخرية اللاذعة، كنوع من الاحتجاج الناتج عن شعور بالمرارة وصل أقصى مداه، وكملاذ احتجاجي أخير، بعدما وصلت كل الأشكال الاحتجاجية إلى النفق المسدود، وبعدما صار الخروج إلى الشارع مكلفا في ظل سيف المتابعات القضائية الذي صار مسلطا على رقبة كل من سولت له نفسه رفع عقيرته للتنديد بهذه السياسة أو تلك.
هكذا عبرت السخرية الفيسبوكية عن إحساس بليغ بالخيبة والانكسار وشعور عميق الغور بالخذلان، امتشقها شعب مثخن بجراح الهزيمة، ورأى فيها سلاحا فعالا لمواجهة الجاثمين على صدره بسياساتهم اللا وطنية، يقول الأديب الروسي دوستويفسكي: "السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع وبسيط"، ولأنها كذلك بالنسبة للشعب المغربي، فقد تفنن في ابتداع الأساليب الإيرونية التهكمية التي حولت المُتَهَكَّمَ منهم إلى كائنات جديرة بالشفقة عن طريق تدوينات انخرطت فيها الغلبية الساحقة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ما جسد مفارقة حولت المتضرر إلى منتصر، ورمت المستفيد من الوضع في زاوية القصف، وكأننا أمام نوع من رد الاعتبار النفسي، ورد صفعة الوجه بصفعة على القفا.
وتحضرنا بهذا الصدد تدوينة فيسبوكية انتشرت على نطاق واسع، عبر فيها المواطنون عن استعدادهم للتنازل عن جزء من رواتبهم لصالح البرلمانيين، وهذه فكرة ذكية تعبر عن بلاغة الانتقاء ودقة التصويب اللغوي، لأنها تضعنا في قلب ثنائية ضدية طرفها الأول يمثل نموذج مواطن يتمتع بذات مفعمة بالجود والسخاء، رغم ضيق ذات يده، وطرفها الثاني يمثل عكس النموذج بما يجسده من هلع وجشع ورغبة في الافتراس والإتيان على الأخضر واليابس، وتكمن بلاغة المفارقة في بسط الطرف الأول يده العليا لصالح الطرف الثاني الذي غدا في وضع المتسول، يستذرف حاله "البئيس" دموع الناس، وتتعالى الأصوات الداعية لمساعدته وإخراجه من ورطته.
ربما وصلت الرسالة للكثير من البرلمانيين، وربما فهمت بمعنى مقلوب، أي بدلالتها السطحية، لذلك قد لا نستغرب إذا سمعنا برلمانيينا يدعون إلى الاستجابة لدعوات الموظفين لاقتطاع مئة درهم من أجورهم لفائدة معاشاتهم، ويوجهون رسائل الشكر والامتنان إليهم، ويثنون على وطنيتهم وغيرتهم على المؤسسة البرلمانية وأهلها، وتحضرنا بهذا الصدد واقعة الكاتب الإنجليزي "دانييل ديفو" الذي كتب سنة 1702 كتيبا تهكميا من الكنيسة الأنجليكانية البروتستانتية باسم مستعار، ردا على الدعوات التي صدرت عن القائمين عليها، وعن مجلس اللوردات البريطاني التي دعت إلى ردع المنشقين عن الكنيسة والمنتقدين إياها، حمل الكتيب عنوانا ساخرا "أقصر الطرق للقضاء على المنشقين"، وعوض أن يستوعب أعضاء الكنيسة مقصدية الكاتب التهكمية، انتشوا ب "المساندة"، وأيدوا ما جاء فيها، وصرحوا علنا أنه: "قد حان الوقت لاجتثاث الهرطقة من جذورها وجز الأعشاب الضارة التي أفسدت جمال حديقة الكنيسة"، فهل سنسمع خطابا مماثلا يؤكد فيه مستشارونا أنه قد حان الأوان للاستجابة لنبض الشارع والتجاوب مع المطالب الداعية لجمع التبرعات لصالح القابعين في قبة البرلمان؟


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب