أضيف في 19 يوليوز 2018 الساعة 18:31

إنك محاصر..!


المصطفى سالمي
التفت (فتوح) حواليه محاولا اختيار وجهة فسحة معينة يقضي فيها أمسية هذا اليوم، ربما تكون ـ مرة أخرى ـ الكورنيش حيث تتمدد المقاهي قبالة المحيط الأطلسي ومشاهدة منظر الغروب، أو ربما التوجه نحو حديقة المدينة حيث يوجد مجسم لأكبر (طاجين)، إن روائح المركب الكيماوي تتمدد بقوة وفي كل أرجاء المدينة، وخاصة جنوبها فارضة سطوتها وجبروتها على عاصمة (عبدة)، وكأنما هي عقاب إلهي أصاب الزرع والحرث والبشر والحجر، ويشتد الاختناق خاصة خلال هذه الأسابيع الحارقة من شهري يوليوز وغشت، لقد فرضت العطلة الصيفية على السيد (فتوح) زيارة الأهل والأحباب، وها هو يجد نفسه عرضة للروائح التي تشكل ضغطا هائلا على أعصابه، فمن الشمال تنتصب مداخن معمل الإسمنت شامخة جبارة حيث يتم حرق النفايات المحلية وحتى الأجنبية ـ القادمة من بلاد الطاليان ـ من أجل صنع هذه المادة الأساسية في البناء، وغربا ـ وبمحاذاة الشاطئ ـ يتمدد الحي الصناعي طويلا بمعامله ومداخنه التي لا تتوقف عن طرح أطنان من الغازات السامة، وخاصة معمل أعلاف الدواجن الذي يحرق بقايا سمك السردين من أحشاء ورؤوس وأمعاء.. وها هي الأبخرة المتنوعة الألوان من داكنة وبيضاء وغبراء وسوداء وضبابية تمتزج فوق سماء مدينة منكوبة، في انتظار اكتمال الأشغال بمعمل لا يقل خطورة ويقع أقصى جنوب البلدة، إنه معمل الطاقة الحرارية الذي سيلهب بسياطه ما تبقى من صبر أهالي هذه المدينة التعيسة، ولكن لا بد للسيد (فتوح) من ترك الجدران والمباني الملتهبة ولو لحين، والقيام بنزهة يستنشق فيها قليلا من الهواء المنعش المنبعث من أعماق المحيط. هنا أغلب الناس يمشون المسافات الطويلة باتجاه (قصر البحر) و(باب الشعبة)، عوض ركوب سيارات الأجرة أو حافلات النقل الحضري، فالفقر والعوز يجعلهم يمشون ساهمين، الأجساد مثقلة بالهموم، والنعال ـ على الأرصفة ـ تحرق المسافات، والعقول شاردة، والدموع ـ في المآقي ـ تحجرت، والجيوب من الأثقال تخففت، وفي القلوب رواسب معاناة تقلبت في جمر الأسى والألم، وغصة في الأعماق على معامل ومصانع لا تجني منها المدينة سوى ضيق في الأنفاس وفقر مدقع واختلاس، وآلام وجراح لا تقاس..! ولو تكلم الماضي لنطق بسطور من فخر عن كرم مدينة كانت تقتسم مع زوارها خيرات البحر تجود به عن طيب خاطر لزوارها، مانحة إياهم تحفها الفنية في النسيج والخزف، كان هذا قبل حلول التنين المتعدد الرؤوس الذي بها ينفث لهبه المسموم في كل الاتجاهات مبتلعا الأخضر واليابس.
حمد (فتوح) ربه على نعمة الاستقرار وسط سهول (دكالة) حيث السواقي وحقول الشمندر والبرسيم والهواء النقي، ولكنه لا يمكنه أن يخفي تعاطفه مع مدينة العذاب المحاصرة، والتي مارست شقاوتها ذات يوم، ليأتي كشف الحساب بعد ذلك على مراحل..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب