أضيف في 15 يوليوز 2018 الساعة 13:07

التمسْ عذرا..!


المصطفى سالمي
السيد (المهدي) رجل حالم خيالي ومزاجي، إنه يريد أن يرى العالم وفق أمنياته ورغباته، ربما لأنه أكثر من قراءة القصص والروايات الأدبية، وخاصة الرومانسية منها، لذلك تراه يتأثر بأي مشهد للظلم في مجتمعه، وينفر من أي شخص يرى فيه مظهرا من مظاهر الاختلال وإن كان من ذوي قرابته، أو من زملائه الأقربين في العمل، لم يستقر قرار السيد (المهدي) على صديق يرى فيه ذاته ومرآة نفسه، ربما فقط لأنه يؤمن بقول الشاعر:
فإما أن تكون أخي بحق # فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطّرحني واتخذني # عدوا أتقيــك وتتقينــــــــــــي
(المهدي) لا يريد أنصاف أصدقاء أو أنصاف أقرباء وزملاء، إنه يكره اللون الرمادي، فإما أبيض أو أسود، وقد نصحته نفسه قبل غيره بأن يكون واقعيا ويبتعد عن الأحلام المثالية في ظل واقع مختل مأزوم، فحتى الشعراء تغنوا بالحد الأدنى من المواصفات التي قد لا تتعدى الثلث أو الربع أو أقل من ذلك من الصفات النبيلة المنشودة في القرين والصديق، ألم يقل شاعر منهم:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا # صديقك لم تجد الذي لا تعاتبه
ومن الذي ترجى سجاياه كلها# كفى المرء نبلا أن تُعدّ معايبه
وتمر الأيام والسنوات الطوال صعبة كالحة منذرة بالشؤم في بؤسها المجتمعي وفي حالاتها الفردية التي غطت عليها الأنانية وطغت فيها المصالح الضيقة والماديات، وها هو (المهدي) حين يُسأل اليوم عن ذاك الانتهازي أو هذا المصلحي أو المادي أو المحتال أو الطماع.. يقول:
ـ الصغير سيكبر ويتعقل ويعود لجادة الصواب، والهازل سيأتي عليه وقت وقد يصبح جادا بملء إرادته، والانتهازي سيصطدم بصخرة الواقع ويستفيق من غفوته، والمنحرف سيتولاه الله برحمته ومغفرته..
هكذا أصبح (المهدي) يلتمس الأعذار لغيره مهما أخطأوا، تعجب الناس من هذه الحكمة التي ظهرت فجأة على صاحبنا، هل تراه أصبح يعذر الآخرين بناء على أسس دينية أم أخلاقية أم هي تجارب حياة؟! أم يلتمس صاحبنا الأعذار لنفسه بعد أن لاحظ هفواتها ووقف على صغائرها؟ أم كل هذا مجتمعا مع بعضه؟ الأهم من كل ذلك أن (المهدي) أصبح كائنا اجتماعيا متعايشا مع محيطه منسجما مع واقعه، لقد ارتاح نفسيا وأراح الآخرين من حواليه، وما عاد قلقا حائرا معذبا صارخا متبرما، إنها الحياة بمنغصاتها تشربتها نفسه وامتصت عصارتها، فتفتق كل ذلك عن قناعة ورضى بالواقع، فحين تعجز الذات عن التغيير، وتستحيل عملية الثورة على الواقع، فإن الرضى بالمقادير يصبح عملية طبيعية لذات تبحث عن توازنها الداخلي، وتراعي عمق وجوهر الآمال، واستحالة تحقيق الوردي من الآمال..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب