أضيف في 15 يوليوز 2018 الساعة 07:05

قرآن سبينوزا


نورالدين البودلالي
سبينوزا والإسلام: استعراض حالة* ج3 (ترجمة)
Youcef Djedi
حقيقة واحدة تجذب الانتباه بقوة: في الرسالة اللاهوتية والسياسية يشع القرآن بغيابه، إن جاز القول. فإن اقتصرنا على الفصول الخمسة عشر الأولى على الأقل، يمكن القول أن الكتاب المقدس الإسلامي كان يستحق اهتماما أكثر من تلك «القصائد الدرامية» البسيطة وال«وقائع المتسلسلة العادية( 1)». لنقل بداية أن القراءة السريعة للقرآن ستسمح باستخلاص ال«مبادئ السبعة للإيمان الكوني» التي يجعل منها سبينوزا أساس الطاعة الحقيقية الله( 2)، وذلك على غرار النقط الثلاثة عشر التي أقامها موسى بن ميمون. هذه المبادئ هي: الله موجود(3 )؛ هو الواحد(4 )، المطلق الوجود( 5) والعلم(6 )؛ القاهر بإرادته الواسعة( 7)؛ العدل والرحمة أساس كل عبادة وطاعة الله( 8)؛ الخلاص يكون بقدر احترام هذه العبادات( 9)؛ الله غفور( 10).
هل يكون سبينوزا قد أغفل بشكل متعمد مصدرا خصبا في بحوثه الخاصة؟ هل صحيح أنه قد فكر في أسس العقيدة «الكاثوليكية» باعتماد الإنجيل لوحده؟ كل المعطيات غير مؤكدة تماما، ويمكننا تخيل الفيلسوف اليهودي مشتغلا على فك شفرات سور الكتاب المقدس الإسلامي، الذي كان يمتلك منه نسخة، كما تؤكد ذلك سيرته الذاتية( 11)، رغم أنه، فيما بعد، افتُقِد تماما من قائمة مكتبته( 12). هذا ما تؤكده شهادة أحد معاصري سبينوزا، يدعى يوهان كريستوف شتورم، الذي أشار، في بحث له قام به سنة 1677 حول ديكارت والديكارتية، إلى أن سبينوزا كان لديه قرآنا، يضعه بمكتبته جنب التلمود والإنجيل( 13). ثم إن الفيلسوف، كما سبق لنا قوله، يذكرهم سوية في كتابه أفكار ميتافزيقية.
هذه الجزئية تذكرنا بيهودي آخر، إنياز جولدزيهر، الذي يعتبر من أبرز ممثلي علم الإسلام الحديث. لقد كان، هو الآخر، يضع على مكتبه الكتب المقدسة للديانات التوحيدية الثلاثة. وهو إن لم يخف تعاطفه مع «القديس» الهولندي، فلأنه، هو الآخر، قد «حورب من إخوته في الدين»، ونعتوه بالعقوق بعد مقاله حول الأسطورة لدى اليهود، وجعلوا منه ذا ميول سبينوزية! ومع ذلك لا يمكن القول أن فقه اللغة القرآنية للعالم النمساوي-المجري لم يكن أبدا مدمرا إلى حد كبير مثل الذي مورس على الإنجيل في الرسالة اللاهوتية والسياسية. فمقارنة بغوته الذي عرف كيف يزاوج في شخصيته بين الإسلام والسبينوزية، وجد غولدزيهر بالمثل «سلوكا حياتيا» في القرآن( 14).
في مقاربة سبينوزا ثمة شيء من ميغيل سيرفيتو(15 )، بالمعنى الذي يجعل القرآن، لديهما سويا، يلعب دورا متناقضا جدا، كشاهد على التوحيد «الموحّد» (سيرفيتو) أو «الديانة الطبيعية» (سبينوزا)، و، في نفس الوقت، كحجة تسهم على إنكار الدين. من هذه الزاوية، لربما يكون الدين الإسلامي شاكرا لغولدزيهر كونه من أقل «سبينوزيي» عصره الذين أخضعوا القرآن للنقد.
حاليا، من الصعب البحث في مسألة التعرف على الترجمة التي كان سبينوزا يتوفر. فمن الممكن، باعتباره يتقن قراءة وكتابة اللغة الفرنسية( 16)، أن يكون يتوفر على قرآن محمد من ترجمة أندريه دي ريير( 17)، الذي كان قنصل فرنسا بالقاهرة، ثم بقسطنطينية. إنها النسخة، التي أعيد نشرها مرارا والتي اشتهرت بكونها الأسوأ من بين مثيلاتها، وكان لها تأثير قوي على عقول القرنين السابع عشر والثامن عشر مماثل لتأثير البطرس المبجل نيقولاس الكوزاني، و تأثير الرد على القرآن لريكولدو دي مونتي على مارتن لوثر. تلك النسخة كانت إلى حد كبير السبب في اعتبار القرآن «تعبير غير متماسك» و «فوضى بشعة وبربرية»، التي نجد صداها في أحايين كثيرة ممتدا إلى الرسالة اللاهوتية والسياسية، كما رأينا ذلك سابقا، بل وحتى في فلسفة الأخلاق لدى فولتير(18 ). نفس الشعور نجده لدى فانيني، مثلا، لكن مع اختلاف في كون الفيلسوف الإيطالي لم يميز في هذا الشأن بين الإنجيل والقرآن، وأن الأول بالنسبة إليه لم يكن «سوى أقمشة نسيج مخاطة في أوقات متفرقة، جمعها عدة أشخاص وقُدمت للناس حسب نزوات الحاخامات [...] كتاب مقدس لم يعد به نظام ولا منهج كما قرآن محمد، الذي لم يسمع به أحد، لترجمته المرتبكة والغير مفهومة(19 )»
الأكيد، في نفس الوقت، أن إسلام القرآن السابع عشر ، ومند مدة، لم يعد أحد يمثله من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية من قيمة الغزالي، وابن حزم أو الباقلاني، الذي يمكن الرجوع إليه أو حتى موجهته. لقد كان ارنست رينان محقا قطعا حين اندهش أمام الواقعة، التي يراها ذات دلالة، والمتمثلة في كون «الفلسفة العربية تعطي مثالا فريدا لثقافة سامية قُمعت تقريبا بشكل فوري دون أن تترك أثرا، ونستها الأمة التي أنشأتها( 20)». وقد كان الهرَم ابن رشد، حسب تصور ليون غوتييه، بالنسبة ل«للفكر الفلسفي اليوناني-العربي بمثابة الوصلة الأخيرة من الألعاب النارية الرائعة».
أمام وجود فراغ مماثل، أصبحت الطريق مفتوحة أمام ما يقدمه التجار من معلومات معرفية( 21)، خصوصا منها تلك المستثمرة من قبل شركة الهند الشرقية القوية الانتشار. فمنذ التأسيس الرسمي لهذه الشركة بداية القرن السابع عشر، ذات الرأسمال الذي يقدمه جزئيا اليهود الذين تمسحوا طوعا أو كرها، كانت لها علاقات معقدة مع الإسلام. والحق أن هذه العلاقات كانت قد بدأت منذ 1598 مع ما سيسمى بجزر الهند الشرقية الهولندية، بعد أن فتح المستعمر الهولندي كورنيليس دي هوتمان أول مكتب له بسومطرة، قبل أن يتم إعدامه من قبل السلطان آتشيه. لابد من التذكير أن لأرخبيل الإندونيسي كان، منذ بداية القرن الخامس عشر ، قد اعتنق –بأجمعه تقريب- الإسلام الذي حمله التجار الهنود والعرب.
سبينوزا نفسه، وقد كان في شبابه تاجرا( 22)، كان يعاشر دوما أصدقاء تجار أو أبناء تجار، لبعضهم علاقات تجارية مع الشرق الأوسط والشرق الأقصى. ومن غير المستغرب أن يكون الفيلسوف محيطا بالسياسة « الشرقية» للشركة، التي امتدت أنشطتها إلى اليابان( 23). كما كان، باعتباره أوروبيا نيّرا، جد منتبه أيضا للموقف الذي يجب اتخاده مع الأتراك( 24)، الذين لا مفر من إقامة علاقات تجارية معهم(25 ). إنها، بمعنى من المعاني، الواقعية التي امتدحها نتشه في شخصية ال«قديس» غوته(26 ).

خاتمة
هناك ما يشي عند سبينوزا، الفيلسوف الحداثي، بالإرث اليهودي الإسلامي. وإن أمكننا أن نرى فيه رُشْدِياً حداثيا، فهذا لن يؤثر بأي حال على أصالته الفلسفية التي لم يعد من الممكن التنصل منها، والتي يمكن للفلسفة العربية أن ترى فيها تجاوزها الخاص. ومن شأن دراسة شاملة ومعمقة أكثر أن تبرز أكثر هذا الجانب من تفكيره، التي يرجع الفضل فيها بقدر كبير لعلاقاته مع اسبانيا ولثقافته اليهودية. هذه الثقافة التي تدهورت إثر الاضطرابات المسيحية التي كانت المنطقة الإسلامية مسرحا ووعاء لها. كنا نرغب الحصول على معلومات أكثر حسما حول ردود فعل سبينوزا تجاه تلك الاضطرابات، ولا يمكننا إلا أن نأسف على هول هذا الفراغ، خصوصا ونحن نعرف الوضوح الرجل المرتبط بالخلاص الديني السياسي، أي وضوحه المتعلق بعلم الخلاصيات وبالمنقذ [المهدي المنتظر]. إلا أن أننا نرى أن ما يوضح بجلاء مسألة علاقات الفيلسوف الهولندي بالإسلام، هو بالتأكيد توضيح طبيعة القرآن الذي توفر له. هكذا سيتكشف لنا المكانة التي حضي بها الكتاب المقدس الإسلامي [القرآن] سواء في الرسالة اللاهوتية والسياسية أم في الأخلاق، ولربما فهمنا عندها ما يدين به سبينوزا للإسلام. لكن سيكون بإمكاننا أيضا فهم أقصى ما يمكن للخطاب القرآني أن يستفيده من السبينوزية.
انتهى
[email protected]


-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- Djedi, Y. (2010). « Spinoza et l’islam : un état des lieux ». Philosophiques, 37(2), 275–298. doi:10.7202/045184ar
1- . V.
2- Ibid., XIV
3 - . II, 255 ; III, 2 ; VI, 102 ; XX, 73, 98, 114 ; XXIII, 116 ; XXIV, 25.
4- . II, 255 ; III, 2, 18, 62, IV, 87, 130 ; VI, 102 ; IX, 129 ; XII, 39 ; XIII, 16 ; XVI, 51 ; XVIII, 38 ; XX, 8, 14, 98 ; XXI, 22 ; XXIII, 91, 116.
5- . II, 247, 261, 268 ; III, 73, 189 ; IV, 108 ; V, 54 ; VII, 54 ; XXIV, 32.
6- . II, 85, 95, 96, 137, 140, 144, 149, 197, 216, 224, 232, 233, 247, 256, 261, 268, 271, 282 ; III, 29, 34, 36, 66, 73, 121 ; IV, 17, 26, 92, 104, 108, 111, 126, 148, 176 ; V, 54, 76, 99 ; IX, 60, 97, 98, 110 ; XIII, 8 ; XVI, 19 ; XVIII, 26 ; XX, 98 ; XXII, 52 ; XXIV, 18, 19, 21, 28, 29, 32, 35
7- . II, 90, 105, 148, 212, 213, 220, 228, 247, 251, 253, 284 ; III, 4, 13, 29, 40, 129 ; IV, 90, 158 ; V, 17, 19, 38, 40 ; IX, 39 ; XIII, 11, 26, 39 ; XIV, 27 ; XVIII, 39 ; XXII, 40 ; XXIV, 45.
8- . II, 3, 5, 177, 178, 190, 195 ; III, 57, 72, 92, 104, 110, 134-136, 148 ; V, 8 ; XXII, 41, 56, 76 ; XXV, 67, 68, 72 ; LXIV, 16.
9 - . II, 2-5, 82, 197 ; III, 57, 101, 102, 114 ; V, 9, 93 ; VII, 42 ; XXI, 93 ; XXII, 23, 24, 50, 56 ; XXXIII, 1-10 ; XXIV, 37, 38, 52, 55.
10- . II, 143, 187, 218, 221, 225, 268 ; III, 30, 31, 129, 135, 155 ; IV, 25, 96, 99, 100, 152 ; V, 71, 74, 95, 101 ; VIII, 29, 33, 70 ; IX, 91 ; XII, 92 ; XXIV, 22.
11- . J. Freudenthal, op. cit., p. 209.
12- . A. J. Servas van Rooijen, op. cit. ; J. Freudenthal, op. cit., pp. 210 sq. ; id., Die Lebensgeschichte Spinozas : in Quellenschriften, Urkunden und nichtamtlichen Nachrichten, Leipzig Veit, 1899, p. 160. Cf. l’inventaire reproduit par Jean Préposiet dans sa Biographie spinoziste, Paris, Les Belles Lettres, 1973, pp. 339-343.
13- De Cartesianis et cartesianismo, Altdorffi , Schönnerstaedt, 1677, pp. 13-14
14- Cf. Y. Djedi, op. cit., pp. 503-508.
15- Cf. p. ex. F. Carrasquier, « De Servet a Spinoza », in Spinoza y España, op. cit., pp. 139-145 ; id., Servet, Spinoza y Sender. Miradas de Eternidad, Zaragoza, Prensas Universitarias de Zaragoza, 2007.
16- Cf. p. ex. G. Van Suchtelen, « Une lettre de Spinoza inédite en français », in Bulletin de l’Association des Amisa de Spinoza, n° 10, 1983, pp. 1-5).
17 - - Paris, Antoine de Sommaville, 1647
18 - Cf. P. Martino, « Mahomet en France aux xviie et xviiie siècles », in Actes du XIVe Congrès international des orientalistes, III, 1905, p. 160
19- Cité ap. F. Charles-Daubert, loc. cit.
20 - E. Renan, op. cit., p. 13.
21 - Cf. p. ex. C. F. Beckingham, « Dutch Travellers in Arabia in the Seventeenth Century », in Journal of the Royal Asiatic Society, I/II, n° 3/4, 1951, pp. 64-81
22 - Cf. Y. Djedi, « Max Weber et le spinozisme ou la “conduite de vie” du “sage” », in Le Portique, e-portique 5 — 2007, Recherches.
23- Cf. Traité théologico-politique, V et XVI in fi ne
24- Ibid., XVI in fi ne.
25- B. Braude, « Les contes persans de Menasseh ben Israel », in Annales HSS (1994), n° 5, pp. 1107-1138
26 - Y. Djedi, loc. cit














قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب