أضيف في 14 يوليوز 2018 الساعة 16:57

الشباب الملكي


رشيد اليملولي
الشباب الملكي .
ترجع بي الذاكرة و أنا أهم بالكتابة ، إلى السياق الذي رافق الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بحركة 20 فبراير ، في خضم تلك الدينامية و الحيوية ، برز ما سمي بالشباب الملكي و حركة 9 مارس ، و أجادوا في افتعال الأساليب الكفيلة بعرقلة مسيرات الحركة بنسب و درجات متفاوتة ، و لا حاجة للتذكير أن صراعا من هذا النوع ، يدخل في إطار هندسة و فبركة المجتمع ، و تدجينه في أفق التحكم في ارتداداته ، و استباق ردود أفعاله ، و خلق وهم الأمن و السلم الاجتماعي بعيدا عن الأمن بالمعنى الحضاري .
لقد رامت هذه المجموعة الاستفزاز و السب و القذف، و إخراج كل آليات الإرهاب النفسي و الرمزي للزج بالحركة الاجتماعية في الاحتكاك و تبني العنف و القوة ، حتى يسهل تصنيفها و تقديمها قربانا للمقاربة الأمنية ، التي تعد الحاضنة الكبرى لمثل هذه " الحركات " و " التحركات " .
و اليوم و بعد تنامي الحراك و تحوله إلى قيمة اجتماعية و سياسية دالة ، ينهل منها كل رافض أو محتج على السياسة الاجتماعية التي يحتضنها و يدعمها النظام السياسي برمته ، أطل علينا مرة أخرى ما يسمى بالشباب الملكي ، في صيغة احتجاج على الاحتجاج الذي عبرت عنه مسيرة الدار البيضاء يوم 8 يوليوز ، ضد الأحكام الصادرة في حق معتقلي الريف ، على خلفية الاحتجاجات التي عمرت مدة في منطقة الحسيمة ، في ما بات يعرف بقضية محسن فكري ، و بقطع النظر عن الحق الخاص في التعبير عن فكرة الدفاع عن شخص الملك و ليس المؤسسة الملكية ، يبدو أن الخليط البشري حتى لا نقول الحركة أو التيار لانعدام الأسس الناظمة لذلك ، لا يعبر بتاتا عن فكرة ، و لا يحمل أي أفق سياسي أو مطلبي ، بل هو محاولة جادة لشخصنة الصراع و تكبيله بالعوائق و الموروثات التقليدية ، التي تميز في الصراع بين الأبيض و الأسود ( شباب ملكي و آخر غير ملكي ) ، و من ثم نقل الوعي و القيمة الاحتجاجية من الفكرة و المضمون السياسي و الثقافي و الاجتماعي ، إلى صراع فردي ـ شخصي يتوسم في القداسة مرجعا أساسا ، و معلوم أن هذا المنحى ، و إن كان يدافع بغرض الغنيمة ، و تقوية النسيج المرتبط بها ، فهو يسعى إلى تقوية العداء الشخصي و ليس التفاعل الفكري و الثقافي ، حتى يبدو المخالف أو المعارض و المحتج خارجا عن الإجماع و عن الوطنية الصادقة في عرف هؤلاء (رد الحسن الثاني على موقف الاتحاد الاشتراكي من مسألة اللباس التقليدي في البرلمان في الثمانينات ) ، و بالتالي فهو عدو وجب قتله ماديا و إن تعذر قتله رمزيا ، طبعا بالمعنى السياسي .
إن الدلالة السلبية المستوحاة من تحرك هذه العينة من الشباب ، هي خروجها المتواتر تزامنا مع أي احتجاج أو حراك له شرعيته الاجتماعية و المعيشية ، و كأن ولادة هؤلاء تستقي وجودها من الاقتيات على إلحاق الهجانة و السلبية و الهامشية و التخوين ، بأي نزوع نحو التحرر و التعبير عنه ، و كان الأجدى بها الخروج في المناسبات التي يتم فيها النيل من شخص الملك من طرف القوى المعادية ، كالوقف مثلا أما السفارات في داخل المغرب و خارجه ، و التعبير عن الموقف و تجسيده ، غير أن ذلك لا يحدث لسبب جوهري هو، أن الشباب الملكي أضحى معادلة واجبة في معاداته للامتداد الشعبي و الاجتماعي لقضاياه العادلة و المصيرية أيضا ، و قد لا نجد حرجا في وسم هذه الحركة بسمات تخرجها عن صبغتها " الحقوقية " ، حيث تصدح بضحالة ثقافية و سياسية هزيلة ، يعبر عنه مستوى الخطاب و السلوك و الفعل و التصور ، ما دام أنها لا تمتلك أفقا أو حدا أدنى من الثقافة السياسية و الحقوقية الداعمة لها ، فهل الملك و المؤسسة الملكية في حاجة ماسة إلى هذه العينة ؟ ألا تسيء المؤسسة الملكية لنفسها حين تترك هذا الحياض الفارغ من الدفاع عنها و لو شعبويا ؟ ، و هل أصبح هؤلاء الشباب حلقة " نضالية " مفرغة تعادي بالضرورة الحراك الاجتماعي ؟ .
قد لا نغالي إذا ما حسبنا أن الأفق الذي يؤطر فلسفة اشتغال هذه العينة هو أفق وهمي لا أمل فيه ، لأنه يهدد السلم الاجتماعي ، و يحاول أن يقيمه على ثنائيات ، لا تكتسي أي وجاهة أخلاقية أو اجتماعية ، بقدر ما يتأسس وجودها على الإذاية المادية و الرمزية ، و السعي إلى تحويل البوصلة و الاهتمام من القضايا الجوهرية ، نحو قضايا الولاء و التبعية الفارغة من أي محتوى ، أو تعاقد أكان ماديا أو شفويا ، و لا أعتقد بالمرة أن ميدان تحرك هذه العينة ينطلق من الشخصية القاعدية و الشرعية الاجتماعية ، إذ يروم بناء وجوده على تصيد " هفوات " أو " زلات " طبيعية في العمل السياسي و الاجتماعي ، و يمعن في تأويلها و إخراجها من سياق حقوقي و سياسي ، إلى مستوى العلاقات الشخصية ، و إقحام الملك في علاقات لا فائدة ترجى منها سياسيا و اجتماعيا ، فالوجود على أساس تخطيء و إفشال الآخر مهما كان مختلفا ، هو وجود خارج أي معنى صراعي ، و بعيد عن أي دلالة سياسية أو اجتماعية ، لذلك لا نحسب أن الحاجة ماسة إلى تبرير و عقلنة وجود هذه العينة ، و إدخالها قسرا في سياق مناهضة كل القوى و الحركات ، التي لا تشتغل وفق الأدبيات القانونية و الشرعية المنصوص عليها في الاحتجاج ، شأنها شأن كل " الحركات " المغالية و المتطرفة ، و ما غض الطرف عنها من طرف وزارة الداخلية ، إلا محاولة جادة لتمييع الوعي الاجتماعي و السياسي ، و ازدواجية المعايير في التعامل الأمني مع قضايا الشارع العام ، و الانتقائية في مواجهة مرتادي هذا المجال ، بين من يشتغل وفق أجندة سياسية و حقوقية و اجتماعية معينة ، و من يقتات على قضايا لا تدخل في صلب المعيش اليومي و العدالة الاجتماعية و المجتمع الحقوقي و القيم الدائرة في فلكه ، بناء على مقتضيات دستورية عبر فيها المغاربة عن موقفهم من الملك و الملكية ، التي أصبحت في غنى عمن يدافع عنها ، ما دامت النصوص التنظيمية و الدستورية واضحة في هذا السياق ، و في حاجة دائمة للمراجعة ، و إعادة التقييم .
قد نجد عينة تعادي الوطن ، و لا نجد وطنا يعادي حفنة مهما أساءت له و لمصيره ، قد يلفظها و لا يعيرها اهتماما ، و لكنه لا يتنكر لذاكرته مهما أجاد البعض في جرحها .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب