أضيف في 14 يوليوز 2018 الساعة 12:36

عوالم ليلية


المصطفى سالمي
اشتعلت الجدران لهبا بفعل قيظ لا يرحم، إنها أيام شهر غشت الحارقة، تمدد (المهدي) على الأرض مفترشا حصيرا بالية، لكنه مازال يتصبب عرقا، فالسقف والحجر قد تشرّبا الحر الشديد، بينما كان ركود الهواء يكاد يخنق الأنفاس، لم يكن للمهدي من خيار سوى أن يعتلي السلم الخشبي باتجاه أعلى البيت المتهالك بحثا عن هواء منعش، إنه المساء يرخي ظلاله وما زالت الأنفاس لاهتة تعبر عن ضعف بشري إزاء عناصر الطبيعة وتجلياتها.
افترش (المهدي) الحصير البالية فوق السطح، وفوقها افترش عباءة صوفية، وتمدد واضعا تحت رأسه وسادة مملوءة قطنا، كانت القرية الصغيرة التي يقطنها المهدي غارقة في سكونها الذي لا يخرقه إلا نباح كلاب أو نقيق ضفادع أو صرير جنادب..
غمرت فرحة خفية جوانح (المهدي) وهو يحس بقليل من الانتعاش، مد بصره نحو السماء، رباه..! كيف له أن لا ينتبه لهذا الجمال في حياته الماضية؟ بعض النجوم كان يظهر أشد لمعانا وبريقا من الأخريات، فجأة يظهر ما يشبه النجم مقترنا بوميض يظهر وينطفئ، متجها في خط مستقيم، إنها طائرة تخترق هذه العتمة الحالكة، تساءلت أعماق (المهدي):
ـ دون شك يضج هذا الاختراع البشري بالحياة والبهجة والإشراق!
وبينما كان صاحبنا يرقب هذا المشهد مستغرقا في تأملاته، كانت حشرة البعوض ترسل صوتها المزعج المحذر من لسعات قادمة، كان طنينها يقترب من طبلة أذنيه حتى يكاد يخترقهما، ثم يتباعد الصوت حتى يتلاشى، وها هو (المهدي) يقارن بين منجزات عقل بشري يحلق في الفضاء، وبين تيه آدمي غارق في الحرارة بين أسراب البعوض والجنادب والضفادع..
اختفت الطائرة في الظلام الحالك دون أن يصدر عنها أي صوت أو هدير مسموع، ربما كانت تحلق بعيدا جدا في الأعالي، وها هي خفاش تطير بخفة ورشاقة مباشرة فوق مدخنة بيت (المهدي)، ربما تصطاد بعض الحشرات وما أكثرها في هذه البيئة وهذا المناخ! كانت تصدر أصواتا غاية في الحدة، وحركتها سريعة بالغة الدقة، إنها تبحث عن رزقها في هذا الليل البهيم شأن كثير من الكائنات الحشرية وغير الحشرية، فجأة تناهى إلى سمع صاحبنا صوت سيارة تمرق من بعيد، إنها الطريق الوطنية الممتدة نحو أقصى جنوب البلاد، وإنهم كائنات بلاده الباحثون عن الرزق الصعب المحاط بأشواك المعاناة..
تحسس (المهدي) قدمه اليسرى، لقد نالت البعوضة نصيبا من دمه رغم حرصه على إخفاء أطرافه تحت العباءة، لكن ذكاء البعوضة تفوق على إجراءاته الاحتياطية، هي تجيد التسلل والمراوغة، وربما تدس شوكتها الطويلة لتصل من خلال نقط ضعف العباءة البالية..
فجأة ظهر وميض طائرة أخرى، إنها تسلك نفس مسار ومسلك الطائرة السابقة، لكنْ هذه المرة صدر صوت مسموع لها، ربما راكبوها ينعمون بأصوات الموسيقى العذبة ويحتسون العصير البارد المنعش، ولا يتبرمون من القيظ والحرارة كما يفعل..
كانت أصوات الكلاب تتردد من أماكن مختلفة، هل تراها تنبح لأنها ترصد حركة ما في السماء؟!، وجه (المهدي) بصره في أرجاء الكون الفسيح، فالتقطت عيناه مشهد طيور مهاجرة، كما رصد حركة تشبه النيازك، وأشياء لو ذكرها لبعض الناس لألصقوا به تهمة نشر الأسطورة والخرافة، وأنه خارج التاريخ وخارج التفكير العلمي، وبدأ النعاس يستبد بصاحبنا، لقد أحس نفسه ـ ولأول مرة ـ صغيرا جدا في هذا الكون المترامي الأطراف، نجومه وكواكبه متباعدة متمددة تبعد عنه بملايين السنوات الضوئية، ولكن هذا الجهاز اللاقط الذي هو البصر ـ أو العين البشرية ـ استطاع رصد هذا البعيد وجعله قريبا، إن (المهدي) في نهار الناس يرى مشاكله وهمومه شيئا كبيرا جدا، لكنه الآن يرى كل حياته شيئا تافها في هذه العوالم الليلية التي تسيرها قوى ربانية خارقة، وحمد (المهدي) الله أن هذا الصعود لأعلى السطح لم يحقق فقط الانتعاش ومنح مقادير إضافية من الأوكسجين لرئتيه، بل زود نفسيته المكدودة برصيد أكبر من التأملات والخيالات.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب