أضيف في 12 يوليوز 2018 الساعة 12:51

المرأة بين عبد الناصر واسيسي


نورالدين البودلالي
الصورة أعلاه مكونة من مشهدين: أما الأول فيمثل مجموعة فتيات بلباس أوروبي يمثل عصره، يسرن في صف واحد منشرحات ضاحكات؛ والثانية مجموعة فتيات بلباس "إسلامي"، يسرن في صف طويل منتظم. المشهد الأول عنون ب"جامعة القاهرة "1960؛ والثاني ب"جامعة القاهرة 2015". الأكيد أن مقدم الصورتين يريد إخبارنا أن فتيات الصورة الأولى أكثر تمدنا وتحضرا من فتيات الصورة الثانية، وعلينا بفعل النظرة الأولى، أن نصدقه، ونضع له لايك. لكن في نفس الوقت علينا، كما لايريد هو، أن نتخذ مسافة من التسرع، و لا نكون من الغافلين.
المشهد الأول، الستيني من القرن الماضي، إبان حكم الزعيم جمال عبدالناصر، يكشف عن خمسة فتيات صحبة شاب: هل هو قريب إحداهن أو زميلهن في الدراسة أو... لا يهم، الأهم هو وجود فتى واحد بين زمرة فتيات. لربما بكونهن –افتراضا- عربيات يبحثن عن حماية ذكورية، في مجتمع لا يرى في المرأة إلا عورتها. ولا نهمل امتداد الفترة الاستعمارية الذي لم يحمل سلاحه فقط لسرقة كل ثروات البلاد، بل حمل أيضا حضارته وعاداته ومعتقداته و، بكل تأكيد، ثقافته... لا ننسى أيضا أن المجتمع لم يكن مستسلما بخنوع لما يحدث، بل كان في صراع فكري وجسدي يفشي توهج حركية دينامية بالبلاد، تشمل جميع أطيافه السياسية.
نفترض أن الفتيات كنا في حرم الجامعة يطفن بأرجائها في سكينة وأمان، إذ لابد أن ينتهين إلى ألفة المكان. لقد عملت مسلسلات وأفلام مصر ذلك الوقت على تطبيع المجتمع بهذه القيم الجديدة، التي حاولت اشتراكية (وحداثة) المجتمع السياسي مصر آنذاك على غرسها طوعا أو كرها. لكن ليست كل مصر محصورة في الفتيات الخمس، في الجانب الآخر كان مجتمع نقيض –الإخوان المسلمون- يصارع المفروض بكل وسائل الإعلام.
المشهد الثاني، لعشريات القرن الحالي، زمن حكم السيسي، يظهر صفا طويلا منتظما لفتيات منقبات. هن خارجات من الجامعة، لعلهن يسرن صوب السوق ثم إلى صاحب المكياج، وقد يعرجن على الحمام قبل أن يُصلن بعضهن البعض إلى منازلهن؛ هذا ما توحي به القراءة الغير المتأنية للصورة: تلك التي تغلب عليها عاطفة الايديولوجية. هن كذلك جائبات الحرم الجامعي كذلك لكن نحو خارجه. لا شخصية ذكورية للحماية؛ إذ يبدو أنهن قادرات لفعل ذلك بأنفسهن، أو لربما لأمر في نفس...
المكان واحد، الجنس واحد –أو تقريبا-، الزمن مختلف. لا حيلة لنا سوى الاقتناع بما تريد الصورة أن توحي لنا به: ليست أيا منهما اشهارية، بل إن الأولى، وإن كانت أقدم من الثانية، أكثر تمدنا وحضارة. لولا أن،
تمعن الثانية بالتدقيق، بالعين الباحثة عن "الأخطاء الخمسة"، يظهر فيها أن خلف المصطفات المنتظمات يقف البوليس محيطا بالحرم الجامعي. صورة لا يمكن أن يصفها بدقة إلا من جربها. لا يكفي أن تكون عابرا بالجامعة، يجب أن تكون مقيما بالحي الجامعي وتأكل بمطعمه وتتابع دروس تخصصك كل يوم، حيث للبوليس الحق في أن يداهم عليك خلوتك، ولو في المرحاض، ليخرجك وباقي الرفاق، مثلا في الساعة الثالثة صباحا، إلى الخلاء تحت سقف السماء، فتتكدسون في العراء "قفازين"، ولا تفكر أنت في شيء سوى العودة سريعا إلى المرحاض، فبطنك يغرغر من أثر "السميقلي".
إذن حاكم مصر في سنة 2015 هو "البهي" السيسي. الصورة تكتمل أو تكاد؛ هي بعض أسباب خروج تلك الفئة، ولا أستطيع القراءة أكثر. تكفينا العودة، ونحن متأسلمون أو متدينون بالدين الإسلامي أو حتى شيعيون حداثيون أو أيا ما كنا سوى أن نكون إنسانيين ديموقراطيين، إلى هذه الفترة لمعرفة عدد الاغتيالات والاعتقالات والتعسفات فنحدد موقفنا الحقيقي من الصورة الثانية، وأـن لا علاقة بموضوع ولا ظروف الأولى...
هناك شيء من عدم تحمل المسؤولية في تقاسم بعض الصور، والباحث، أو من يطمح في أن يكونه حقا، عليه اتخاذ الحذر من الوقوع في زلات فكرية بل وذات العلاقة بالمواقف العقلانية، وإلا فعلينا اتخاذ الحذر مما قدم ويقدمه لنا كمفكر عقلاني وحداثي، وهذا رهين، بطبيعة الحال، بعدم الوقوع في غفلة الايديولوجية.

[email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :