أضيف في 10 يوليوز 2018 الساعة 14:26

مراكمة اليأس


رشيد اليملولي
مراكمة اليأس.
عديدة هي الثنائيات الميتافيزيقية التي تستعصي على الفهم و الحل ، إذ لا سبيل أحيانا إلا لقبولها على مضض، و تكرار محاولات فهمها بغرض تفكيكها ، سعيا لتجاوزها ، و التي تبقى المهمة الأسمى لبناء دولة بالمعنى المتكامل .
يصعب أحيانا الفصل بين مسار بناء الدولة ، و مسار تشكيل عوائق هذا البناء ، فبالقدر الذي تلوح فيه بعض البوادر و المؤشرات الدالة على الانتقال السياسي ، تتنامى وثيرة العوائق ، و ترسى دعائمه و مقوماته ، انطلاقا من عدم الفصل بين تقوية دولة المؤسسات ، و تقوية السلطة و دولة الذوات و الأشخاص ، حيث يتم الخلط بين دعم الدولة و روحها المؤسساتية ، و توفير مستلزمات نزوعات وحدانية التسلط بتعبير ابن رشد ، و هنا نقف عند إشكال أساس ؛ مفاده أن عائق بناء الدولة هو بالضرورة و في الكثير من الملامح إشكال سلطة بالمعنى الفلسفي و السياسي ، و أشكال فهمها و تصورها لإدارة التنوع الاجتماعي .
إن القول بمراكمة اليأس في التجربة التاريخية المغربية ، مسنود بالقرائن التي تجعل منه قاعدة ، يستعصي أحيانا تجاوزها ، و تجلية مظاهرها من أجل الفهم الأسلم ؛ فعلى امتداد تاريخ الدولة تنتصب لحظات الارتجاع و الارتداد و التردد ، و التي تسود الأمل ، و تجعله أعتى من الغرابيب السود بدءا من لحظة 1908 و الرغبة في بناء المشروع الدستوري ، و انتقالا إلى زمن الاستقلال الذي أبان عن فشل أو إفشال أبناء الدار في إدارة شؤونهم بطريقة تنموية فعالة ، و مرورا بتجربة الانتقال الديمقراطي في السبعينات ، ووصولا إلى مرحلة التناوب التوافقي ، و انتهاء بحراك 20 فبراير 2011، في كل هذه الأزمنة السياسية تم القفز على المتطلب التنموي في جميع المجالات ،لصالح الاهتمام الصرف بتقنيات التداول السياسي ، و أفقر الانتقال الحضاري من أي محتوى ثقافي ، و أي صيغة تعاقدية و إن كان النص الدستوري ينص عليها ، و يركز في ديباجته و أدبياته عليها، بل و كان الهاجس الأساس تقنية المحافظة على دوام السلطة بنمط معين ، و لصالح تصورات سلطوية " مرضية " تقتات بشكل حيوي على الرغبة في تقديم الذات المتحضرة خارجيا ، بل و تبرر وجودها على حساب خطاب المظلومية و تربص الأعداء ، و اللحظة الحرجة ، و ووسم الاحتجاج بالعمالة الخارجية .
إن قراءة متأنية للحمولة السياسية و النفسية المرافقة للتبرير السلطوي للفشل السياسي ، و الخوف من المغامرة المنتجة ، يجعلنا أمام تناقضين صارخين ؛ تبجيل السلطة و دعم نسيجها الاجتماعي ، و مباركة مساعيها ، و خيريتها الاجتماعية و السياسية ، و في السياق ذاته الوعي الحاد بالحصيلة التنموية الفاشلة التي تدعمها المراتب الدونية ، و تصدح بها المقاييس الدولية في التنمية ، و التي يحتل فيها البلد المراتب الدونية ، بشكل يجعل الصورة محط " تحقير " ، بل ومادة للاستهلاك من طرف القوى المعادية التي ترى فيها دعما لأطروحاتها ، و يعري على منطق السلطة المتباهية بدلالها و غنجها ، الذي يتحول إلى نقط عروس تزول بزوال الليل .
فشل و إفشال السياسات المحلية ، و فشل ملفات تسويق صورة البلد ، و تحلل الدولة التدريجي من مسؤوليتها الاجتماعية و الاقتصادية ، و تهاوي مشاريع تبدير المال العام ، تجعلنا فعلا أمام سياسة قائمة الذات في إنتاج اليأس و التيئيس و ثقافتهما ، لدرجة أن أبسط القضايا التي تتطلب جهدا و حدا أدنى من القيم الأخلاقية ، يتم فيها الزج بالأفهام البشرية و الذهنية المرافقة لهما ، لتعانق فلسفة التضليل و التعتيم ، التي ترسي قواعدها السلطة الرسمية في توعية مريديها و جيشها الاجتماعي ، و القرائن الدالة على ذلك لا تحتاج إلى كبير عناء ، حتى يتم رصد مظاهرها ، بل و تغدو كل محاولة أو مشروع سلطوي هو بالضرورة إنجاز لا يرقى إليه شك ، لا يأتيه الباطل من يديه أو من خلفه ؛ فالتطبيل الذي رافق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، و مشروع الجهوية ، و المغرب الأخضر ، و مهرجان موازين ، و تيمتار ، و العيطة ، و دستور 2011، و غيرها ، قد تشكل في عرف هذا التصور ، بداية ثورية و رسالة نبوءة ، و الأدهى أن القضايا المستعجلة يتم تأجيلها مرارا و عن قصد ، لصالح مشاريع الرقص و اللهو و معاقرة النغم ، الذي يؤدي إلى مزيد من الميوعة في الذوق و التربية الفنية ، و في أحسن الأحوال توجيه الاهتمام و بوصلة التفكير السليم .
ما بين رغبة السلطة في عدم التفريط في هيبتها ، و رغبة التطور الحتمي للمجتمع ووعيه في تجاوز منطق السلطة ، و إخضاعه لسلطة الدولة و مؤسساتها ، تبرز صورة تجعل فهما معينا للدولة يتعالى على المجتمع ليستقوي عليه ، و يجعل من المكنون الاجتماعي بحمولته و طاقته رافضا لهذا المستوى من الفهم و التصور ، لدرجة أن الوعي الاجتماعي تجاوز في الكثير من الملامح مضمون اشتغال السلطة ، و تنزيل سياستها ، و في هذا التباين و الاختلاف في المبدأ و الدرجة ، يكمن صراع حدي يتغذى بالخصوص على بدر علاقة متشنجة ما بين مكونات المجتمع الرافض للسلطة في السياسة ، و النسيج السلطوي ـ المخزني ، الذي يرى في تفاعله مع القضايا الجوهرية موته و أفوله ، لذا يعمد إلى ثقافة اليأس و سياسة التيئيس ، من خلال المماطلة و التسويف و تأجيل المطالب الآنية و المستعجلة ، و يرديها بؤرا قابلة لإنبات مشاتل التمرد و العصيان و الثورة بشكل مشروع، التي أضحت علامة مميزة لتاريخ المغرب بوثيقته الدستورية المتطورة ، علامات التراجع الممنهجة تحولت إلى رغبة جامحة في الزج بالبلد في أتون صراع مرير، ثمنه مزيد من دق أسافين الموت الحضاري للدولة الاجتماعية و الإنسانية ، الأكثر من ذلك أن العديد من إجراءات التيئيس تستعدي الصديق و تستثير العدو ، و لا أدل على ذلك من ملاحقة ثوار العالم الافتراضي و الواقعي ، بشتى الطرق و الوسائل ، لا تدري معها السلطة أنها تقتل بذلك كثيرا من الرجال ماديا و رمزيا ، و تسعى جاهدة في إيجاد الشعراء و الزجالين و الفنانين الداعمين لهم ، و بكلمة مانعة كتلة تاريخية مؤهلة ، أو يتم تأهيلها بمراكمة اليأس و لواحقه . فرفض موازين مثلا لا يعني الإعراض عن الفن ، و لكن يفيد الحاجة إلى أمن غذائي و نفسي و عدالة اجتماعية و حق في العمل و الكرامة ، و مقاطعة منتوجات معينة لا يعني الإضرار باقتصاد البلد ، و لكن يعني أن يجر المجتمع الاقتصاد ، لا أن يستقوي الاقتصاد على الدولة و المجتمع .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب