أضيف في 8 يوليوز 2018 الساعة 20:34

أماني


المصطفى سالمي
هكذا هي هذه الكائنات الفرحة التي تبدو صغيرة تافهة، هل تراه أصبح يعيش على هامش الأحداث؟ هل شاخ وهو في مقتبل العمر وعنفوان الشباب؟ لقد أصبح (الراضي) يرى الناس حواليه أشبه ما تكون بثمار تنضج تدريجيا مع الزمن ثم تتعفن، حتى الحجارة والبنيان والشجر والنبات وكل الكائنات تخضع بشكل مهين لسطوة الزمن وقسوته مع توالي الأيام والليالي، فسبحان القهار الذي يقهر بجبروته غرور الكائنات الصغيرة التي تتطاول وتظن نفسها شيئا "ما"، وها هو الحديد والصخر يتوالى عليها المطر والحرارة والرطوبة فيتسلل إلى أعماقها الوهن، فما بالك بأعضاء هشة لينة طرية تعمل هضما ومضغا وامتصاصا وتحويلا وتصفية وضخا.. بالليل وبالنهار لا ترتاح وتزعم أنها لا تمل ولا تكل، إنها أضعف من الضعف دون شك، ولكنها تكابر.
الحمد لله أن لكل بداية نهاية، فسبحان الأول والآخر، إذن لِمَ العجلة؟ (هكذا ردد السيد "الراضي" في أعماقه)، إنه طوال حياته يبحث عن مساحات متنوعة للسعادة خارج الموجود المتاح ولم يستقر قراره على الأمان النفسي حيث الاقتناع التام، لقد جرّب صاحبنا السعادة في المأكل، ولكن الأيام أثبتت له أن مذاق الطيبات في العشرينات من عمره ليس هو نفسه في سن الأربعين، وحتما لن يكون كذلك في سن الستين لو كُتب له أن يعيش لهذا السن، فاللذة في المأكل تتناقص رغم الوفرة والتنوع في حاضره مقارنة مع ماضيه، فهل أذهب طيباته في حياة الطفولة والصبا وريعان الحياة؟ وها هم كبار السن حوله يتبرمون بالأيام وزخرفها من مال وبنين، فهم لا يجدون لذة أو متعة فيها، أم هو الضعف يجعل الحياة تبدو كذلك؟! لكن حتما لن تكون السعادة مضمونة مع زخرف الحياة من مال وبنين، كما هي نسبية مع المأكل والمشرب، فلتكن السعادة بصيغة المؤنث، إنها مختومة بتاء التأنيث، ألم يخلق الله للإنسان زوجه ويجعلها سكنا ولباسا وخلق بينهما مودة ورحمة، تململ (الراضي) في مجلسه متسائلا:
ـ هل تكون السعادة هي الزوجة الصالحة؟
ووجد صاحبنا كأنما يدور في حلقة مفرغة، أليس ما يسري على طيبات المأكل والمشرب يسري على المرأة بدورها، فالأحاسيس تتحول مع الزمن إلى طيف وخيال، أين أنت يا أزمنة الرومانسية وعهود أشعار نزار قباني وصور وأساليب جبران خليل جبران وروائع المنفلوطي، كم جرب صاحبنا معاودة قراءة قصة (ماجدولين) و(دمعة وابتسامة) وقصص جرجي زيدان وروايات نجيب محفوظ، ولكن لم يستعدْ أبدا أحاسيس ذلك الزمن الجميل قبيل العشرينات من العمر، ذابت إلى الأبد تلك المشاعر المرتعشة الخفاقة الممتعة، إذن فهي وقتية تلك السعادة المجنحة الحالمة، وما يتبقى هو الألفة والعادة، السعادة لا تعترف بالاجترار والتكرار، السعادة شعاع نوراني وليس سد فراغ معدة بالتبن والبرسيم، ماذا تبقى لك أيها السيد (الراضي) غير الدخول إلى محرابك للتعبد وانتظار ساعة الفرج فقد اقتربت فاكهتك من النضج و بعدها التعفن الموعود والمنتظر، عليك بالاستعداد والتأهب لملاقاة خالقك، رباه! هل هذه هي السعادة التي يبحث عنها الجميع، لحظات التأمل والاستعداد والنظر في الوجود، لقد جرب صاحبنا الأسفار والترحال والمأكل والمشرب والمرأة والأولاد والمال والمتاع والعقار واللباس الفاخر، لكنه الآن على أبواب وعتبات عوالم الروح، دون شك سيجرب عوالم جديدة غير مطروقة في سابق عهوده وأيامه، سيجرب النظر والتأمل في ملكوت ربه، ستطل روحه من أعلى وسيصوب نظره نحو عالم صغير يتهافت فيه الناس ويتكالبون على سعادة وهمية محورها متاع صغير مغلف بألوان زاهية كألوان قوس قزح..!
إنه الآن في بدايات التجربة، وليس مؤهلا ليحكي للآخرين عن التفاصيل، لكن البدايات مبشرة بما هو أجمل وأروع، ودون شك سيستفز الآخرين لمشاركته هذه المتع، ولكنه لا يدري إن كانوا سيتحمسون للفكرة، أم إن السعادة لفظ فضفاض مبهم لا يغري أحدا في زمن البؤس المادي الذي يلف الجميع، من لديه ومن ليس كذلك، فهم في الحرمان والشقاء سواء..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب