أضيف في 8 يوليوز 2018 الساعة 08:33

اللغة العربية و ... وسائل التواصل الحديثة


الصادق بنعلال
اللغة العربية و ... وسائل التواصل الحديثة
الصادق بنعلال

ما من شك في أن المعنيين بالشأن اللغوي من المثقفين العرب لم يتوانوا ( منذ القرن التاسع عشر ) عن إثارة الانتباه للمكانة المحورية التي تحتلها اللغة العربية في الكيان الحضاري العربي ، و الدور الذي يمكن أن تطلع به في مضمار النهوض التنموي الشامل . و من تحصيل الحاصل التذكير بأن لغة الضاد واجهت ألوانا من المحن بالغة الخطورة ، و في أكثر من محطة في مسيرة العصر العربي " الحديث " ، أقلها الحصار الذي ضرب عليها أثناء الاستعمار الأجنبي للقبائل / الأقطار العربية ، و ثقل اللهجات المحلية و مواجهة الامتداد الكاسح للغات الأجنبية ، مما حدا بالمؤسسات الرسمية و الأهلية المعنية بالقضية اللغوية ، و بمعية عدد غير قليل من الباحثين و علماء اللغة المجتهدين ، إلى المساهمة الجادة في بلورة ، و اجتراح حلول كفيلة بإنقاذ العربية من مآل الانقراض .
***
بيد أن الإشكالات العصيبة التي تواجهها لغتنا القومية راهنا أكثر ضراوة ، بفعل تحديات الثورة الرقمية و الانفجار المعلوماتي ، و وسائل التواصل الاجتماعي الأقوى انتشارا و هيمنة على الساحة الدولية ، مما يستدعي تعاطيا علميا مختلفا عما عهدناه في الأطروحات و الأبحاث اللغوية المألوفة . و بنظرة خاطفة إلى مضامين منصات / مواقع التواصل الاجتماعي القريبة إلى انشغالات الشباب العربي ، و ما تحفل به من رسائل سوسيوثقافية مخصوصة ، نستنتج بيسر حزمة من الملاحظات بالغة الوقع على حال و مآل العربية ، أهمها الاستناد إلى الحرف اللاتيني ، و الاستئناس بالأرقام و الرموز و " التراكيب " اللغوية المختزلة و القصيرة جدا ، و الانزياح الحاد عن جادة القاعد النحوية و الإملائية و المعجمية .. أثناء عمليات " التواصل " و تعميم البلاغات المحملة بشتى الدلالات ! فما العمل أمام هذا الوضع المؤسف للغة كانت في عصرها الذهبي رمزا ثقافيا ساهم في تشكيل الكون الحضاري المشع ، و استبطان الوعي البشري أدبيا و فلسفيا و علميا .. ؟
***
و معلوم أن بعض المواقع الاجتماعية الأكثر قربا من المهتمين بقضايا السياسة و الفكر ، مثل توتير تفرض على المستعملين عددا محدودا جدا من المفردات للتعبير عن المواقف و الآراء ، كما أن ظاهرة الوسم / الهاشتاغ " تلزم " المعنيين بأمر التواصل الافتراضي بقدر موغل في الاختصار ، و التعبير عن كون من الأفكار المتضاربة ، و التصورات الممتدة عبر " جمل " مختزلة إلى أبعد الحدود ، مما يستوجب على الباحثين اللغويين و اللسانيين عموما ، إعادة النظر في مقارباتهم العلمية لهذا المنجز التواصلي الجديد . إن رهان البحث اللغوي الحاضر لم يعد مجرد مواكبة مستجدات النظريات و المدارس و المفاهيم اللسانية العالمية ، بل إنه في حاجة ماسة إلى استكناه مستلزمات طفرة التكنولوجيا الافتراضية ، مما يعني من جملة ما يعني ، أن مهمة اللغويين العرب أضحت بالغة التعقيد و التشابك ، الشيء الذي يدعو و بإلحاح إلى تظافر جهود كل الغيورين على اللغة العربية ؛ من مراكز البحوث و المجامع اللغوية و المنابر و المؤسسات الرسمية و الشعبية ، لتدشين انطلاقة جديدة نوعية و مثيرة للتعاطي مع قضايا اللغة العربية ، عبر تحليل موضوعي ملموس لواقع ملموس ، لحماية الهوية الثقافية و الأمن القومي ، بعيدا عن أي احتفاء وجداني ضيق ، غير مدرك لمخاطر قد تقود الأمة العربية نحو " المجهول " !


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الصادق بنعلال

أستاذ باحث   / طنجة , المغرب