أضيف في 3 يوليوز 2018 الساعة 00:50

«الكَهْنَتةُ» في الإسلام المعاصر


عبد الإله بلقزيز

لم يكن الإسلام قد خرج من نفق «الكهنتة»، التي لازمت تاريخه الكلاسيكي، وفتحته الأزمنة الحديثة على آفاق من التحرر والتطور رحبة (كانت تباشيرها قد هلت مع ميلاد الإصلاحية الإسلامية، في القرن التاسع عشر، واستتبابها في العقد الأول من القرن العشرين)، حتى شرعت «الكهنتة» تلك في الانبعاث، في ثوب جديد، مع ميلاد الإحيائية الإسلامية، في خواتيم عشرينات القرن العشرين (مع نشوء جماعة «الإخوان المسلمين»)، وانقلابها على ميراث الإصلاحية الإسلامية، وتجديدها لتقاليد اختزال الدين في من يزعمون النطق باسمه، وصيرورتها - هي ومن خرج من رحمها من تنظيمات «الإسلام الحزبي» - المؤسسة الدينية/ السياسية الوسيطة بين المؤمنين والدين.
تتجلى «كهنتة» الإسلام الحركي في صور منها مختلفة، يمكننا أن نحصي منها أربعاً:
أولها مزاحمته قوى الإسلام التقليدي العالم (أو العلمائي) ومؤسساتها ووظائفها الدينية الرسمية، ومحاولة مصادرتها والسطو عليها؛ بزعم أن إسلام القوى التقليدية تلك مطعون في شرعية تمثيله الدين؛ لأنه مسخر لخدمة السلطة القائمة. لذلك، ما كان مستغرباً أن تكون القوى العلمائية ومؤسساتها عرضةً لحملات دائمة من مشايخ وأمراء الجماعات الإسلامية الحزبية، ولتحريض عليها؛ لإسقاط أي شرعية عنها، سبيلاً إلى الاعتياض عن دورها بدور«فقهاء الإسلام الحزبي»، وسبيلاً إلى احتكار الرأسمال الديني بحسبان حيازته الحصرية نزعاً له من السلطة القائمة التي تتوسله في مواجهة خصومها، أو لبناء شرعيتها أمام جمهور اجتماعي مسلم. وتكفي سيرة صراع الحركيين الإسلاميين في مصر - ومنهم «الإخوان»- ضد مؤسسة «الأزهر» وعلمائها ووظائفها وصلاتها بالسلطة والدولة؛ لتقدم مثالاً لنوع تلك المزاحمة على وظيفة «الكهنتة»، التي يخوض فيها «الإسلام الحركي».
وثانيها تنصيب قوى «الإسلام الحركي» الحزبي نفسها قوة دعوة رخصت لنفسها بأن تستأنفها في التاريخ، وكأنها امتداد تلقائي للدعوة النبوية أو تجديد لها!؛ لذلك ما كان غريباً أن يلجأ حركيون إسلاميون كثر إلى تكفير الناس، وحسبانهم أهل جاهلية، والدعوة إلى إعادة فتح المجتمع وجعله، بعد ترويض، مجتمعاً مسلماً. وهكذا بمقدار ما زعمت هذه «الكهنتة» الحركية لنفسها دوراً نبوياً (وراثة وظائف النبوة؛ وأخصها الدعوة)، أدخلت إلى المجال التداولي الإسلامي مفاهيم كان قد تجاوزها الاجتماع السياسي الحديث؛ مثل مفاهيم: الكفر، المروق، الحسبة، الطاعة، بيعة أمير الجماعة، الجهاد، الولاء...)، واقترن إدخالها إلى التداول بسياسات خرقاء قادت إلى انقسامات ونزاعات اجتماعية متنوعة جنح بعضها الكثير للعنف، ما عرض الأمن الاجتماعي والسلم المدني والوحدة الوطنية للشرخ والتصدع والتبدد!
وثالثها توسل «الإسلام الحركي» الفتيا وظيفة وسلطة تسخر لخدمة أهداف قواه. وينتمي التطاول على الإفتاء إلى استراتيجية المزاحمة، التي أومأنا إليها قبلاً، وتجريد الهيئات الرسمية المخولة بأداء هذه الوظيفة - مثل دور الإفتاء- من هذا السلاح التشريعي الكبير في لعبة الصراع على الشرعية الدينية. ولكم كان استخدام أداة الفتوى مؤذياً في الأغلب من الحالات؛ لأنه سمح، دائماً، لجماعة صغيرة بأن تقرر مصير الغالبية من الناس، وتفرض عليهم لا إرادتها فحسب، وإنما ما هو أكثر من ذلك، وخاصة حين تجنح لهدر الحياة وسفك الدماء.
ولذلك كانت الفتيا شكلاً آخر جديداً من أشكال الإرهاب الفكري والإرغام المادي؛ لأن مبناها على فرضية أن الإفتاء نطق بحكم الشرع وليس إدلاءً برأي أو اجتهاد!
أما رابعها فيقترن بالحالة التي تنشئ فيها قوى الإسلام الحركي سلطة كاملة (على دولة) أو جزئية (على منطقة محدودة تخرج من نطاق سيادة الدولة القائمة)، وتفرض فيها نظرتها إلى الدين وهندستها الدينية للمجتمع.. ولقد شهدنا على نماذج معاصرة من هذه السلطة، في السنوات الست الأخيرة، في مصر وليبيا وسوريا والعراق، على ما بينها من اختلاف في طريق حيازة السلطة (الاقتراع، العنف المسلح)، أو في نوع «الإسلام الحركي» (سياسي، «جهادي»).
والغالب على «الكهنتة» المطبقة من طريق السلطة، أنها تذهب بعيداً في هندسة المجتمع هندسة دينية، وفي تغيير منظومة القوانين الوضعية، التي كانت موضع توافق، والعودة إلى تشريعات تجاوزها الاجتماع الإسلامي ومنظومة المواطنة، مثل عقوبات الحدود من جلد وقطع أطراف، وتطبيق نظام الجزية على «أهل الذمة»، والفرز السكاني على أساس مذهبي، وفرض الحجاب على نصف المجتمع، وتنميط الملبس والهيئة والمظهر، ومنع أي مظهر من مظاهر مباهج الحياة... إلخ. وهذه «كهنتة» لا تستطيعها قواها إلا متى صارت سلطة في إمكانها إصدار التشريعات وفرضها. وهي، لذلك، أعلى أشكال «الكهنتة» في تاريخنا!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب