أضيف في 30 يونيو 2018 الساعة 20:46

تدهور الطبقة الوسطى ونتائجه


عبد الإله بلقزيز

نافلٌ هو القول إنّ السياسة والعمل السياسيّ يسبحان في مياه الطبقة الوسطى ولا يَقْويان على العيش بعيداً منها؛ إذِ الطبقة الوسطى بيئتُهما الأساس والمحيط الاجتماعيّ المناسب الذي فيه ينشآن ومنه يغتذيان؛ وهي وحدها، أكثر من سائر طبقات المجتمع- وليس من دونها-، توفّر لهما الأدوات والإمكان. وليس القولُ بهذا مقصورَ الانطباق على حال الطبقة الوسطى في مجتمعاتٍ، كمجتمعاتنا، تنعدم فيها - أو تكاد أن تنعدم- فاعليّات طبقاتٍ اجتماعيّةٍ أخرى كالبرجوازيّة (الصناعيّة أو الماليّة أو العقاريّة...)، أو كالطبقة العاملة، وإنما مفعوله ممتدّ إلى حيث يطول كلّ طبقةٍ وسطى في العالم، بما في ذلك العالم (الرأسماليّ الميتروبولي) الذي يشهد على أنواع مختلفة من الفعاليّة السياسيّة الأفقيّة؛ العابرة للطبقات الاجتماعيّة كافّة. يمكن لطبقات اجتماعيّة أخرى، كطبقات العمّال والفلاحين والبروليتاريا الرثّة والمهمَّشين، أن تُبْديَ من قوَّةِ الفعل السياسيّ والاجتماعيّ وكثافَتِه وسِعَةِ قواهُ المشارِكة ما قد لا تَقْوى الطبقة الوسطى على إبداء نظيره؛ وقد يكون لفعل الطبقات تلك من الأثرِ الماديّ ما لا يساوِقُه أثرُ فعلِ الطبقة الوسطى، غير أنّ الذي لا مِرْيَةَ فيه أنّ الأخيرةَ وحدها تملك مفاتيحَ السياسة التي تفتح هذه أمام طبقات المجتمع كافّة: الفكر، والتنظيم، والإدارة، والقيادة...إلخ.
يعْنينا هنا أن نلاحظ ظاهرةً موضوعيّةً، وأن نشدّدَ عليها بما هي مفتاحٌ لتحليل أوضاع السياسة؛ وهي (أي الملاحظة) أنّ السياسة والعمل السياسيّ يدوران، صعوداً وهبوطاًً، مع حركة الطبقة الوسطى، في مدارها الاجتماعيّ، صعوداً وهبوطاً وبالتالي، ننطلق منها كفرضيّةٍ لتحليل أوضاع التراجع والتهالك في العمل السيّاسيّ الحزبيّ، كما في الأداء السياسي للدولة أو، قل، للسلطة الحاكمة.
إذا كان العمل السياسيّ قد شهِد على طورٍ مديدٍ من ازدهاره، في البلاد العربيّة، بين عشرينات القرن العشرين وسبعيناته؛ وإذا كانت مؤسّساتُه (الحزبيّة) قد توسَّعت قاعدةً، أو جمهوراً، وتعاظمت نفوذًا وأثرًا، فلأنّ الطبقة الوسطى في المجتمعات العربيّة -وجنبًا إلى جنبٍ مع عوامل أخرى- شهدت على فترات خصبة من صعودها وتوسّعها وبالتالي، وفّرت له، من داخلها، البيئة الملائمة للاستواء والنهوض. لقد اقترن صعودُها وتوسّعها ذانك بميلاد «الدولة الوطنيّة» الحديثة، وخروجِها من أحشاء الحقبة الكولونياليّة، وبتوسّعها في إنجاب أجهزتها ومؤسّساتها وبالتّبعةِ، في إنجاب طبقةٍ وسطى جديدة: كانتِ الدولة الكولونياليّة نفسُها قد شرعت في إنتاج أنويتها الأولى. ومع أنّ الطبقة الوسطى لم تمتلك جهاز الدولة السياسيّ، وإنما عادتِ السيطرةُ على هذا إلى طبقات أخرى مثل كبار الملاّك الزراعيّين و«البرجوازيّة الوطنيّة»؛ ومع أنّ سيطرةَ أقسامٍ طبقيّة منها على السلطة تأخّر إلى سنوات الخمسينات والستينات، في بعض البلدان العربيّة (مصر، سورية، العراق، الجزائر، اليمن، ليبيا، السودان)، إلاّ أنّ أدوارها الرئيسَية في الحياة السياسيّة، وفي مواقع المعارضة، ظلت قويَّةً، ولم تُوازِها - في المكانة والفاعليّة- أدوار أخرى منافِسَة. لقد كانت البيئة الحاضنة للحزبيّة السياسيّة العربيّة، حتى حينما كانت الحزبيّة تلك تعبّر، في بعض صيغها التنظيميّة والسياسيّة، عن مصالح برجوازيّات عليا أو عن مصالح طبقات كادحة (عمّال، فلاحون، هامشيّون...).
ما من شكٍّ في أنّ العمل السياسيّ احتاج، دائماً، إلى جمهورٍ اجتماعيٍّ عريض يفيض عن حدود الطبقة الوسطى: إلى عمّال وفلاّحين ومهمَّشين ومُلاّكٍ وبرجوازيّين...) يشكّل القاعدة الاجتماعيّة الحاملة للمشروع السياسي، الناقلةَ إيّاهُ إلى حيّز التحقّق الماديّ، إلاّ أنّ الطبقة الوسطى وحدها التي وفَّرت الجمهور السياسيّ المباشر والحَرَكيّ للعمل السياسيّ؛ أي جمهور المنتمين إلى القوى السياسيّة والناشط فيها. لقد كان منها المثقفون والأطر المنظِّرون، والمديرون الفعليّون للعمل السياسيّ، والمسؤولون في الأجهزة التنظيميّة، والممثِّلون في المجالس المحلّية والتشريعيّة المنتَخبَة... و، بكلمة، كان منها السيّاسيّون بما هُم فئة اجتماعيّة متفرِّغة للشأن السياسيّ، أو محترفة في قول آخرين، متميّزة من غيرها من الفئات الأخرى المشاركة في العمل السياسيّ، ولكن المتفرِّغة للاستثمار الاقتصاديّ أو للكدح من أجل لقمة العيش.
ولكن، كما كانت نهضةُ الطبقة الوسطى، في المجتمع العربيّ، سبباً لنهضة الحياة السياسيّة والعمل السياسيّ فيه، أتى تدهور أوضاعها يلقي نتائجَه الثقيلة عليه. إنّ بؤس العمل السياسيّ العربيّ، اليوم، هو -في وجْهٍ من وجوهه الرئيسية- من آثار ابتئاس أوضاع الطبقة الوسطى في المجتمعات العربيّة وخاصّةً، في الأربعين عاماً الأخيرة من تاريخنا السادر في الانحناء! لم تنحصر نكبةُ الطبقة هذه في أنّ أوضاعها شهِدتْ على أضرارٍ جسيمة هزّت استقرارها و«اطمئنانها»، وهدَّدت بإضعاف مركزها في المراتبيَّة الاجتماعيّة.
وغنيٌّ عن البيان أنّ تبئيس أوضاع هذه الطبقة يستجرّ، حكمًا، بؤساً بائساً للعمل السياسيّ؛ إذْ هو يجرّده من البيئة الطبيعيّة التي فيها يعيش ويسبح وينمو، فيقذف به - من ثمة - إلى المجهول!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :