أضيف في 30 يونيو 2018 الساعة 06:30

العجل والأولاد


العربي الرودالي
250 حرف على الأقل، 24 ساعة للنشر من جديد.

قصة قصيرة
العجل والأولاد

ولد العجل و ماتت أمه البقرة .. لم تكن الأم سوى عجلة اشتراها مولاها بثمن شاق وفرته زوجته منذ أن دخلت منزله إلى أن انجبت له سبع ورثة أولادا وبنات ولا زال بطنها منتفخا ..هؤلاء القوم لم يعرفوا قط طعم لبن أو زبدة بقرة تملكها أسرتهم .. تشوقوا طويلا إلى لذة حليب تجذبه أصابع أمهم من الضرع فينساب حلوا.. لقد تكسرالأمل بعد أن كبر مع بقرتهم الغالية، وكانت توشك أن تدر عليهم خيراتها... سيستمرون في شرب اللبن الحامض.. سيتوسلون إلى كل من يعرف و من لا يعرف أنهم يريدون أن يسدوا به رمقهم صحبة كسرة يابسة من الخبز الذي يرفض المرور من البلعوم .. سيستمرون في سماع "أنتم كثرة"..."أنتم لا تعرفون سوى اللبن و ليس لكم شغل"..."قل لأمك لماذا لا تريد أن تعطينا ( سارح)"..."قل لأبيك أن العجلة تقرب عشبنا"... تكسر الأمل و ضاع كل شيء.. العجل ماتت أمه.. وقد يموت هو كذلك..و يلزم سنوات طوال لتوفير الثمن الشاق و سنوات طوال لتكبر العجلة وتصير بقرة فتلد وقد تموت فيلزم سنوات طوال أخرى وأخرى وأخرى... انتهى كل شيء.. نضب اللبن قبل أن ينبع.. جف قبل أن يروي..وعلى الأولاد أن يستمروا في التوسل حتى يحصلوا على اللبن الحامض.. كان صدر الأب يخرج أنفاسا و يدخل أخرى، واستمر هيجانه حتى ظهر حليب وزبدة الغضب فارتوت منهما الشفتان.. كانت عينا زوجته تقولان.."هذا قدر..لم نصنعه بأيدينا" وكانت عينا الأب تقولان"لو تحولت وأنت هكذا إلى بقرة لترضعي العجل بدلا من هذا الذي سيفتح فمه ليأكل بعد أن يمص كل ما يوجد في ثدييك من حليب حتى تجف و يشتد عوده من أجل المدغ والهضم.."آه لو تحولت الى بقرة"..وتسمر واقفا تاركا رأسه تهيم..تحقق الأمل.. تحولت زوجته الى بقرة..رآها العجل فعدا نحوها و تلقف ثدييها بلهفة..امتلأ بطنه بالحياة..فرح الأبناء..لأول مرة سيشربون لبنا من بقرة يملكونها ويتذوقون طعم الزبدة اللذيذة.. الأب هو نفسه الذي يرعى البقرة و ابنته البكر ذات الثماني سنوات هي التي تحلبها وتخرج الزبدة و ترضع أخاها الصغير من حليب البقرة بصرة تقطرها في جوفه.. عاش العجل و كبر.. صار قويا و جميلا، وأخذ يجد في طلبه كل من يملك البقرات بدون فحل..وأخيرا بيع.. ثمنه اشترى بقرة حلوبا ترافقها ابنتها من أجل الحليب حتى يجف فتكبر هي الأخرى وتلد... الخير يتكاثر.. حليب زبدة.. حليب زبدة..عجل عجلة.. عجل عجلة..ثور بقرة..ثور بقرة..عجول قطيع .. حليب زبدة... الخير يتدفق...العرق يتصبب... والإبن الأصغر يزعق يريد اللبن.. العجل يصيح يريد اللبن..والعيال حاملون كسرات الخبز الذي يرفض المرور من البلعوم و ينادون اللبن اللبن... لو تحولت إلى بقرة و تحولت أنا إلى ثور وتحول الأبناء إلى عجول لو تحولنا...وإلى ماذا سيتحول العجل اليتيم ؟ إنه مثلنا لا يستطيع..سأدفع به مع الأولاد يلتمس الحليب في ضرع بقرة أحد الجيران..الجوار كالأخوة عنقود عنب فاكهة رمان.. الأبقار كثيرة والناس يملكون منها ما شاؤوا والحليب في الدنيا وفير والعجل بريء لا يعرف الخداع .. صامت.. لسانه لم يترود على صنع الكلمات التي تترجم ما يتدفق من إحساسه.. الناس جميعا ستنطق ستقول أغيثوا العجل مدوه بشيء من الحليب .. هبوه بقرة ترضعه.. قطروا في جوفه أكوابا.. اغيثوه ليكبر و يصير ثورا تشترى بثمنه بقرة ترافقها ابنتها فتلد وتتكاثر البقرات و العجول فتصبح قطيعا ينبع منه النعيم العذب.. سأنام.. وليمت العجل و زوجتي و الأولاد . اقتربت منه زوجته بإ ناء ابيض داخله باللبن .. دفعه الشوق ليأخذه فغمس فيه شفتيه .. إنه حامض جدا ولكنه حلو..مر ولذيذ ..رفع رأسه فإذا بعيون أبنائه الجاحظة تنتظر دورها و كسرات خبز اليوم اليابسة في أيديهم وشفاههم جفت اشتهاء للبن "الناس" و لم تعرف قط لذة مذاق لبن بقرة تملكها أسرتهم...



العربي الرودالي
*من قصص القرن الماضي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : العربي الرودالي

باحث في علم الاجتماع   / تمارة , المغرب