أضيف في 14 يونيو 2018 الساعة 14:41

مهرجان موازين و أخواته


رشيد اليملولي
مهرجان موازين و أخواته .
يهل علينا في الأيام القادمة مهرجان إشكالي بالضرورة ، إشكالي من حيث طبيعته و جوهره و أفقه ، و ما يضفي عليه هذه الصبغة هو المفارقة الحدية بين إرادة فرضه ، وإرادة رفضه ؛ فالجهات المنظمة و بمباركة من النظام السياسي برمته تحشد كل الإمكانات لتكريس سياسة الأمر الواقع ، حتى لا تفرط في جزء من " هيبتها" ، و يظل الموقف الاجتماعي سواء في العالم الافتراضي أو في الواقع الاجتماعي يرفض أن يتم تنزيل هذا المهرجان ، لدوافع تبدو موضوعية في تقديرنا و تتعلق أساسا بطبيعة الخدمة و الإضافة التي تقدمها تظاهرة من هذا القبيل ، في ظل وجود ما يمكن أن يفعل بالأموال الطائلة التي تصرف عليه ، أصدرت عن الدولة أو عن القطاع الخاص ، المهم في هذا أن الوطنية تقتضي صرف النظر إلى القضايا الكبرى المتعلقة بالفقر و التنمية و التعليم و الصحة و العلم ، و إن كان هذا لا يعني إغماط الحق في الترفيه .
مهرجان موازين له أدوات مادية ملموسة و أخرى رمزية ، تتوحد من أجل تقديمه باعتباره صورة حضارية و فنية للمغرب خارج حدوده ، و بالتالي يندرج ضمن أجندة محددة ، تعمل جاهدة على تسويق صورة البلد المتفتحة و القادرة على مسايرة الاختلاف ، و احتضان التظاهرات الفنية الكبرى ، إلا أن النظر إلى سياق المهرجان في هذه المرحلة ،التي تستقي وجودها و مرجعيتها الأساس من هاجس استراتيجي لمختلف مؤيديه خاصة النظام السياسي و فرقائه ، و هو امتصاص و تكسير موجة الاحتجاج و الغضب و بلغة جامعة حملة المقاطعة ، لذلك رهان المهرجان رهان غير فني ، و يحيد عن الرسالة التي يزعمها ، حيث يتحول تدريجيا نحو الأداتية و الذرائعية ، التي يرجى بها قتل ملامح رأي عام بدأت ملامحه تلوح في الأفق ،و إن اتخذ من العالم الافتراضي ملجأه و ملاذه ، بعد أن ضاق ذرعا بتكالب الفاعل السياسي و النقابي ضد مصالح و حقوقه ، و عوض الإنصات الفني لنبض الشارع و المجتمع و فعاليته على المستوى الفني ، أي مغربة المهرجان و الاستماع إلى أطيافه و ألوانه و تعبيراته المحلية و الجهوية و الهوياتية ، يتم القفز على كل هذه الخصوصيات ، و استدعاء ما يقبرها و يرديها أصنافا فنية تكتسي إما طابعا هامشيا لا عالمية فيه ، و في أحسن الأحوال عده تعبيرا عن المغربة في أفق تأثيث الفضاء و استكمال صورته ، و العزف على هذا الوتر لاستدرار لعاب من تبقى ممن يرى فيه " ذوقه " .
يعمد المهرجان في سبيل هذه الغاية إلى استثمار كل ما من شأنه أن يقبر الاحتجاج و يغمده في طي النسيان ، و يجعل من رد الفعل الاجتماعي مجرد هبة مداويخ أو جوعى ، سرعان ما تنطفئ جذوة حماسهم بتلغيم امتدادهم برموز الإلهاء و التدجين و التتجير ، لهذا الغرض استدعت القوى الساهرة على هذا المهرجان الإعلام غير الجماهيري عبر الوصلات الإشهارية التي أصبح حضورها لافتا في المشهد الإعلامي ، و في مقدمتها الوطنية المزعومة و الزائفة التي يرجى تمريرها من خلال مساندة المنتخب الوطني في المحفل العالمي ، و كأن هاجس المغاربة و مصدر سعادتهم يكمن فقط في كرة القدم ، بل و يتم تقديم الوطنية المزعومة بشعارات تمتح من معين العزف على الإجماع ، الذي تتداخل فيه جميع الصيغ الاجتماعية المعبرة عن القيم السائدة من شجاعة و إباء و كرم و أخوة ، و هي قيم يتم بدرها في هذا التوقيت الرمضاني المفعم بقابلية المتلقي عبر مائدة الإفطار و في أوقات الذروة ، و بوثيرة قل نظيرها ، لتحويل مجرة الاهتمام من القضايا التي تعكس البنية العميقة للمجتمع ، إلى البنية الترفية و العابرة له ، أليست في هذا المستوى كرة القدم رياضة تموت قيمتها فور انتهاء المباراة و انتهاء التظاهرة العالمية ؟ .
إلى جانب هذه الوطنية المنفوخ فيها ، لا يتورع الإعلام الرسمي عن شحن قنواته التلفزية بالبرامج الاستهلاكية ، التي يرجى منها تزجية الوقت و إضاعة الهدف و الغاية ، بل و إخراج التصريحات تلو الأخرى التي تحاول جاهدة إما الحط من المقاطعة و تسفيه قيمتها و دورها و الفاعل فيها ، أو تمجيد المهرجان و الأسماء المرتبطة به ، و لا أدل على ذلك من الخروج الإعلامي لزعيمة الموضة ليلى الحديوي ، و رائدة الوطنية دنيا باطمة ، ولا ندري أين تختفي هذه الرموز في وقت الأزمات و التعبير عن المساندة في قضايا فلسطين و القضية الوطنية و قضايا التنمية و التضامن مع القضايا الاجتماعية الأخرى ؟ ،و كأني بهذه العينة من " الرموز" صورة مصغرة للاحتياطي الاجتماعي الذي يتم الاعتماد عليه للدفاع عن القضايا السلطوية ، و حتى تكتمل صورة التبخيس و التحقير يتم بناء قضايا ميتافيزيقية ، الإبداع المخزني فيها لا يخفى على أحد ، و ما البهرجة التي رافقت قضية الكنز و الأعداد الغفيرة التي حجت لاستخراجه إلا دليل و مظهر معبر عن الأخوة في الرضاعة لموازين ، أو قضية الملائكة التي ظهرت فجأة و في العديد من المدن و في توقيت العشر الأواخر ، التي إن دلت على شيء ، فهي قرينة على أن إشكال هذا البلد هو إشكال بناء قضايا و علاقاته و اهتماماته .
لقد أضحى هاجس الإعلام ليس النبش في المجتمع و معرفة ما يغيضه و يفرحه ، ما يؤجل سعادته و حقوقه ، بل غدا أكثر عدوانية ضده ، حين تحول إلى مصدر من مصادر تخلفه عن الركب التنموي ، ومعيار لإلهائه و تدجينه ، و أداة لهندسة اجتماعية يرجى منها تقعيد أسس اختلاف خلافي و ليس اختلافا خالقا ، فالوطنية و الضجيج المنظم يمكن أن يتحول إلى تحرير قطاع المحروقات و المبلغ المختلس (17 مليار) ، و مهرجان موازين يمكن أن يكون تشريعيا في البرلمان بملاحقة ناهبي المال و الاغتناء غير المشروع ، و من الممكن أن يكون مهرجان موازين مغربيا تحضر فيه كل الصيغ الفنية المغربية و بمختلف المناطق التي تزخر بها الجهات الثانية عشر .
خطورة المهرجان تجد سندها في الهجوم المتتالي على الوعي الاجتماعي ، و محاربته بكل الطرق و تطويق امتداده ، حتى يبقى المجتمع أسير عوائقه الذاتية التي يخلقها أفرادها المشكلون للاحتياطي الاجتماعي و السياسي ، الذي تستدعيه السلطة في كل لحظة و حين ، لقطع الطريق على أي محاولة انتقالية نحو الإمكان المغربي ، الإشارة البسيطة في شكلها العميقة في دلالتها على سبيل المثال لا الحصر ، إشراك ناس الغيوان في هذا المهرجان ، بما يعنيه من هجوم على الذاكرة الفنية و الاجتماعية المغربية ، حيث أن جوهر هذه المجموعة الأسطورية مستمد من الفن الأليم و معاناة الإنسان البسيط ، طموحه و فرحه و حزنه و أفقه ، كان نغمة مشفوعة بكلمة موحية تغنت بها المجموعة ، و عبرت بها عن ما يختلج دواخل هذا المجتمع ، سرعان ما تم تدجينها و تحول ما تبقى منها إلى " بوق " للسلطة ، و تم تشويه ذاكرتها التي كانت مشروعيتها من المجتمع ، و ها هي تتخلى بكل بساطة عن مصدر شرعيتها بمشاركتها في مهرجان يقاطعه غالبية مناصريها ، أليس الفن في هذا المستوى تعبيرا عن المجتمع ؟ .
إن مهرجان موازين رمز من رموز فشل الدولة الأسطورية ، التي تتعالى على المجتمع و تعتقد جازمة أنها مصدر الخير العميم عليه ، و تنسى أن وجودها مرهون به ، و تقدم الولاء للفوضى باسم الفن حين تصر على توجيه حتى رغبته الفنية .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب