أضيف في 13 يونيو 2018 الساعة 12:24

مقاطعة البضائع ومقاطعة العمل السياسي


نورالدين البودلالي
يمكن التأكيد على أن المغاربة ابتكروا طريقة لرفع بعض مطالبهم: المقاطعة. إنها تعتمد وسائل التواصل الاجتماعية: واتسآب، فيسبوك، مسنجر وغيرها من الوسائل السريعة التوصيل والنقل والمتيحة لأبداء الرأي وإضافة مقترحات. لا تتطلب التنقل والتجمهر والانتماء الحزبي أو النقابي ولا أي شيء يفيد تحمل المسؤولية والالتزام. (شفت الناس داروا ودرت).
موضوع المقاطعة هو الاعتراض التام على اقتناء منتجات أربع: سنطرال للحليب، افريقيا للمحروقات، سيدي علي المائية، وموازين المنظمة لمهرجانات غنائية. أكثر من ذلك، وهذا أمر لا يمكن فهمه، في خضم هذه المطالب الداعية لتحسين مستوى عيش المواطن، تتم إضافة رسوم جديدة على فاتورة الكهرباء خاصة بتنظيم مونديال 2026. طبيعي أن تنضاف مطالب أخرى مادام أن كل مالك لهاتف نقال له الحق في إرسال خطاب (ميساج) كتابي أو حي بالصورة والصوت، ويكتفي المتلقون بوضع جيم أو تعليق، أو تقاسم (برتاجي). المسألة في غاية البساطة، خصوصا وأن أسعار المواد الغذائية، والحياة المعيشية بصفة عامة لا تزيد إلا ارتفاعا: واقع لا يمكن إنكاره أبدا، كما لا يمكن إنكار الصمت المطبق للأحزاب السياسية والنقابات، فتُرِك الشعب عرضة للمجهول، إذ لا يمكن التنبؤ أبدا بالآتي.
أمام هذا الوضع ما العمل؟. الحكومة لا يمكنها اتخاذ قرار لا يعرض على المجالس الوزارية ولا الحكومية؛ والدولة لا يمكنها أن تحاور أكثر من ثلاثين مليونا دفعة واحدة عبر الواتساب. الناس لا ينتظرون، كما هو الحال دوما، تدخل حكومة العثماني لحل المشكل فهم يعرفون أن لا قوة لها، إن لم تكن هذه قد عمقت المشكل عبر تدخلات عدد من وزرائها بالقول والفعل؛ إنهم ينتظرون تدخل الملك مباشرة. الريع والفيض الإحساني. هنا نعود إلى نقطة البدء: المطالبة دوما بالحقوق الواجب توفرها لكل مواطن، لا عبر مؤسسات مجتمعية حزبية ونقابية، التي تأكد بالملموس ضعف قدراتها الاقتراحية والحوارية إن لم نقل عجزها، والتي نفترض أنها أصبحت هي الأخرى تنتظر تدخلا من الملك.
في إسبانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى، انبثقت أحزاب جديدة غير تقليدية، وأخذت مسؤوليتها في تأطير المواطنين. بالمغرب بقيت الأحزاب هي نفسها، والجديدة منها هي منقسمة عن أحزاب قديمة بوجوه قديمة أيضا، ونفس الشيء يقال عن النقابات. من سيؤطر هذه المقاطعة حتى لا تفقد صوابها؟ هناك عرمرم كبير من الشباب العاطل، هناك ذوي الشهادات العليا هم مكتوفي الأيدي، هناك تنام لمجموعات إرهابية لازالت الدولة قادرة على ضبطها، هناك حركات احتجاجية متنوعة ومتكاثرة، وبالتأكيد هناك وضع اقتصادي مسؤول بالدرجة الأولى على هذه الوضعية الاجتماعية برمتها. فهل تستطيع المقاطعة أن تعالج هذه الملفات دفعة واحدة، عبر وسائل الاتصال؟ ستظل هذه المطالب فضفاضة لا محدد لها ولا مرتب لها، لأن الفاعل لذلك غير موجود: المؤسسة المحاورة. من جهة أخرى الثقة في هذه المؤسسة المنعدمة والثقة فيها هي أصلا منعدمة، وهذا أمر لا يجب أن يكون بالأساس، وإلا فإننا ك"مواطنين" نتشبث بالحكم المطلق. لذا فوجود المؤسسات الحزبية والنقابية أمر ضروري، شرط أن تبعث حياة حقيقية في أوصال المجتمع.
في انتظار ذلك، أهمس لأخواني المقاطعين: قاطعوا ما تشاؤون ولا تقاطعوا كوكاكولا، فترامب أنهى معضلة كوريا الشمالية ويبحث عن قضية جديدة!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب