أضيف في 8 يونيو 2018 الساعة 15:36

سؤال الاتحاد الاشتراكي


رشيد اليملولي
سؤال الاتحاد الاشتراكي .
ليس خافيا أن الحديث عن السؤال هو بالضرورة و المنطق ، حديث عن إشكال له دلالته و أبعاده الفلسفية العميقة ، حيث يصعب رصد ملامحه و توجهاته بمحض تخطيط أسطر هي في نهاية المطاف ، وجهة نظر تقبل الترجيح أحيانا و الدحض و التفنيد أحيانا أخرى ، غير أن الوعي بأن السؤال الإشكالي قد يشير إلى فهم معين ، أي زاوية لها رؤيتها الخاصة في بناء السؤال و طرح فرضياته .
من هذا المستوى نرى أن إشكال الاتحاد الاشتراكي هو سؤال الذات و الهوية و المرجعية ، و ليس سؤال التنظيم و البناء الهيكلي ، بمعنى أدق سؤال الاتحاد الاشتراكي هو سؤال ثقافي ، يسائل الفكرة و أشكال حضورها تنظيميا و سياسيا ، و من جانب آخر هو سؤال نخبة معينة و طبقة اجتماعية معينة ، و أزمتها الذاتية التي أرخت بسدولها على أزمة الحزب تنظيميا .
لقد ولدت الفكرة الاتحادية في سياق سياسي و ثقافي معين ، منحها بريقا طيلة مرحلة مهمة من تاريخ المغرب المعاصر ، و استمدت جوهرها من الشخصية القاعدية التي زادها التفاعل الإيجابي و الفعال تجديرا ، يعكسه المستوى الثاني من التسمية أي القوات الشعبية ، و بلغة المرحوم الجابري الكتلة التاريخية ، و هي مختلف الفئات التي رأت في الفكرة خلاصها الشخصي بالمعنى السياسي ، و صاغت جانبا مهما من تاريخها .
استمرت هذه الولادة بإيعاز من التأطير النظري و السياسي لاجتهادات المهدي بن بركة في الاختيار و الوسيلة و المنهج ، و استطاعت أن تلهم و تحرك الشارع ، و تعانق طموحاته و آماله في التغيير ، و بناء الحلم و الوطن ، إلا أن جملة الأحداث التي تلت 1965 ( المحاكمة و اختطاف المهدي ) ، و انكسار 1967 المدمر نفسيا و سياسيا و ثقافيا ، وصولا إلى محاولتين انقلابيتين جعل من الفكرة موضع تساؤل من حيث أدوات الاشتغال ، و الأفق النظري الذي ينتظمها ، سرعان ما حاول المؤتمر الاستثنائي تدارك الموقف عبر اجتهادات بعض الرموز السياسية في مقدمتهم الجابري و عمر بن جلون ( على سبيل المثال لا الحصر ) ، حاولوا إيجاد مخرج سياسي و ثقافي لحالة الاختناق ، و من ثم نحت مفهوم النضال الديمقراطي ، و التحليل الملموس للواقع الملموس ، و بناء مشاتل حزبية( الشبيبة الاتحادية ).
يمكن القول أن هذه اللحظة شكلت انتقالا سياسيا من معنى سياسي معين يقوم على المواجهة إلى إبداع طرق أخرى للمواجهة و الصراع، بإمكانها ضمان استمرارية الفكرة ، و لعل القواعد التي أرساها المؤتمر الاستثنائي كانت نبراسا لمسار الحزب إلى حين حكومة التناوب الديمقراطي ، و لا يعني هذا إلغاء بعض الوثائق التي كانت تحاول جاهدة تطوير الفكرة و مدها بسبل النجاح ( وثائق المؤتمر الرابع ) .
نخلص من خلال هذا العبور السريع إلى التأكيد أنه و على الرغم من وجود ملامح فكرة مؤسسة ، فإن الغموض لازال يرافقها؛ إذ إن الحديث عن القوات الشعبية أو الكتلة التاريخية ، معناه بشكل فلسفي و ثقافي استمرار " شعبوية " معينة ، بمعنى غياب الوحدة و الانسجام في الخط السياسي و أفق التفكير السياسي ، أي تلاقح و تواجد العديد من الأطياف الثقافية التي يصعب صهرها في نسق سياسي موحد ، له مرجعية متكاملة و منسجمة ، و لا مجال للحديث هنا عن الحجم و البعد العددي ، بل الجوهر هو رمزية الفكرة و مدى امتدادها ، و قدرتها على الإجابة ليس السياسية فقط ، و إنما الحاجة و الأمن السياسي و لم لا التنموي ، في الدفاع عن القوى الداخلية التي تعتمل داخل الذات الحزبية ، لها فهمها الخاص و أسلوبها في إدارة الصراع ، و ليس التفنن في الانشقاقات المتولدة عن غياب فكرة موحدة ، و بناء استراتيجية العمل ، و كان بالإمكان تجاوز هذا العائق بخلق تيارات حزبية ، و هي فكرة كانت مطروحة ، و لها معقوليتها و مصداقيتها لإيقاف النزيف ، يكفي إيجاد القنوات لتصريفها تنظيميا ، و هذا ما فشل فيه الحزب فشلا ذريعا ، إذ أسهم بدوره في تفريخ و استنبات الكيانات عند كل لحظة حاسمة ، بشكل قد يدفع إلى الاعتقاد أن كل محطة كانت تعني ولادة حزب أو تيار جديد ، و في هذا المستوى تبرز إشكالية كبرى في مسار هذه التجربة السياسية : أليست الديمقراطية تدبيرا للاختلاف ؟ ، و بالمعنى المقابل أليس فشل الحزب في إدارة هذا الاختلاف دليل على لاديمقراطيته الداخلية ؟ .
استمر العوز حتى بعد أن نال الحزب شرعية الدفاع عن المجتمع فيما سمي بالتناوب التوافقي ، و في هذه اللحظة كان الحزب مطالبا بالإجابة عن فكرة الدخول السياسي و تقنينها فكريا ، أي صياغة نسق نظري يدافع عن هذا التحول في ممارسة السياسة ، و الانتقال فيها من درب المعارضة إلى الفعل ، إلا أن ماحدث كان خلاف ذلك ، و تم التعبير عنه فقط بتغيير رمزية الوردة من يد الأممية الاشتراكية القابضة إلى وضع الوردة التي يمكن أن تعطي ظلا وارفا ، و هذه الدلالة السيميولوجية و إن كانت لها دلالتها ، فهي فقيرة و ضحلة من حيث التجديد الفكري و أساليب العمل المنظم ، إذ ظل الهاجس الانتخابي حاضرا بقوة ، و أرقى المجهودات كانت تجديد الفروع ، و تسكين الصراعات بعيدا عن التأمل في الفكرة و مصيرها ، و كل ذلك لم يقدم شيئا يذكر لدوام الفكرة و الدفاع عن شرعيتها ، في وقت تطلبت المرحلة اجتهادا نظريا يضمن قدرا من الحياة ، و يجنب الوردة الذبول و الموت .
المستوى الثالث من تطور الفكرة جاء بعد الانزياح عن الطريقة أو المنهجية الديمقراطية المعروفة في أدبيات الحزب سنة 2002، و التي كان فيها الحزب مدافعا عن " حق " و لم يكن مجدد فكرة أو تصور أو تدبير مرحلة ، حيث حصر اهتمامه في الجانب السياسي و الصراع المرتبط به ، دون أن يسائل الفكرة و مقومات وجودها في ظل متغيرات جديدة ، أصبحت تقصي شيئا فشيئا الحزب من جذوره الاجتماعية ، و " سرقة " حجمه من طرف قوى تتغذي على " قيم " مخالفة ، لا تدخر جهدا في إقبار المجتمع في التنازلات باسم تصورات غير خلاقة ، و ترجعه القهقرى .
في ظل هذه المتغيرات يطرح سؤال أساس : ماذا تبقى من الفكرة الاتحادية و هل مازالت قائمة ؟ .
الرسالة الحضارية المنوطة بالفكرة الاتحادية قبل الموت السريري هي التقاط نمط الوعي السياسي و النضالي الذي رسخته القوات الشعبية ـ الكتلة التاريخية في الانتفاضات المتقطعة في بداية الألفية ، و التي توجت بحركة 20 فبراير 2011، و بأحداث الحسيمة و جرادة ، وصولا إلى حملة المقاطعة ، حيث اتضح جليا أن المادة الخام القابلة للصهر سياسيا و فكريا موجودة ، و تفرض الالتفات إليها ، و دمغها في إطار يجمعها في قالب نظري ،و تحويلها في تنظيمات غير مرتبطة بمرحلة سياسية ، و إنما محكومة بمشروع سياسي ، و خلاف ذلك من المبادرات يعد تحايلا سياسيا يلهث وراء الغنائم و الأسلاب السياسية ، تزيد في إقبار التجربة و الفكرة التي تحتضر ، بفاعلين أصبح انتماءهم الشعبي محط تساءل حضاري كبير .
إن سؤال الاتحاد الاشتراكي ليس سؤال انتماء أو حجم سياسي و انتخابي ، بل هو سؤال انتماء لمشروع حضاري مغربي ، يستمد ذاته من قيم العدالة و المجتمع الحقوقي و التنموي ، سؤال يعتمد الفكر وسيلة و غاية لإنتاج النخب ، و الأجيال السياسية المسكونة بالرغبة في دخول النادي العالمي للتنمية البشرية و العلم و الفن و المعرفة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب