أضيف في 6 يونيو 2018 الساعة 00:37

حمودة إسماعيلي - العائلة، المدرسة، الزواج، العمل.. كلها سجون تحت إدارة الدولة


حمودة إسماعيلي
بالنسبة للمفكر الفرنسي فوكو، فإن الطابع الوحيد الذي يميز السجن عن باقي مؤسسات الدولة المتنوعة، هو أنه (السجن) المؤسسة التي تظهر فيها السلطة بشكل واضح (عارية دون تخفي). أما بقية المؤسسات فهي سجون بسلطة متخفية أو محتجبة نوعا ما، تحتاج للاستنطاق، وذلك ما يجعل نظرة المجتمع لها مغايرة نظرته للسجن.

لنقف قليلا عند نقطة معينة، حتى ننطلق من الحقول التي تنمحي فيها التصورات السجنية، أو بالأحرى تلك التي نجد فيها من العيب أن نتساءل حولها : وهنا تبرز أولاً الأسرة أو العائلة بتوسع حدودها وانتشار أفرادها. ولنأخذ الأنا كمثال، وستمثلها أناي بهذه الحالة، فأنا ك”حمودة” وجدت لدي ارتباطا ب”إسماعيلي” إسمي العائلي، حيث من هذا الإسم تنطلق التصورات بما سيكون ويكون بالتفعيل موقعي من العالم : سجن صغير من البنية المفاهيمة، ولنسميه أنطولوجيا مؤطِّرة تتضمن تطلعات مستقبلية وممارسات ثقافية بما في ذلك ارتباطات اجتماعية -خضع ويخضع لها تاريخ عائلتي بارتباطاته البيئية. فأنت عبر النمذجة الأنطولوجية هو “هذا” وستفعل هذا وتتحدث مع هذا بهذا، أنت بالأخير “هذا” المنمذج. لقد انحصرت أناي في عالمها المحدد مسبقا، وهو ما ينفي رؤية البعض الانحرافية بكون أن البشر يولدون أحرارا بال5 دقائق الأولى، “لا وروح أمك ولا بالثواني الأولى”، دينك واسمك وملابسك وألعابك.. يوجدون قبلك. فمن سجن الرحم لسجن العائلة، الطائفة، الهوية القومية.

وأعرف أنه تفسير مجحف نوعا ما ربط جمالية الطفولة وحنان العائلة بالسجن، لكن لندخل بموضوعية في جوهر المعطى، ونقوم بعملية تقارب بين المثالين، وسيساعدنا هنا زميل فوكو المفكر دولوز والذي يرى أن السجن هو مؤسسة حيث يتم معاملة المساجين -بمختلف أعمارهم- كالأطفال، طالما هي بالبنية وبالموقع مؤسسة عقابية. لكن بالنسبة لدولوز، فمن جهة أخرى، تتم معاملة الأطفال كالمساجين. ف”الأطفال يخضعون لطفولة ليست لهم”. هناك نوع من الإجبار والقمع إن لم نتحدث عن القهر، والأسوء عندما يتراكم القهر كتاريخ تعريفي لمن نحن (التربية الجمعوية). حتى معايير الإبداع محددة للطفل، ونرى بعض المحاولات التحفيزية -فيديوهات مصورة لعلماء مشاهير- يبرزون أن التربية الإبداعية للطفل هي بالجوهر عملية قمع إبداعية! فكل طفل باندفاعه فنان، فتأتي التربية ككبح للاندفاع، بشكل سافر.

عبر الإجبار والعقاب، يجر دولوز السجن من الطفولة إلى مدرسة وصولا للعمل، حيث المصنع يسمح للعمال بثلاث استراحات في اليوم لقضاء الحاجة.

العامل بالعقد هو ملكية لمكان العمل، وعملية العقد والتعاقد هي لا تحمي الأطراف بقدر ما تربط بشكل معين الفرد بمؤسسة سجنية. حتى بمسألة وجدانية كالحب، تتحول لسجن عبر التعاقد في الزواج. أنا لا أقصد هنا أنه لا يجب على أحد أن يتزوج، إنما أشير إلى أن الزواج يُحوّل المرأة لسجين بمؤسسة الزوج (بيته) أو مؤسسة الحماة التي ستفرض نظامها، حيث يتم قطع روابط الزوجة الاجتماعية أو حصرها، وقطع أحلامها وتطلعاتها، بما يغيّرها من فرد مستقل لعامل خاضع لمؤسسة تسمح لها باستراحات لقضاء الحاجة! وتطِل النمذجة التركيبية هنا، حيث نجد أن المرأة سعيدة بسجنها (ولو أنها سعادة مؤقتة.. فسرعان ما سيبرز جحيم الحماة إن لم نتحدث عن تسلط الزوج). وأقصد النمذجة التركيبية، تركيب السجن بالجهاز العصبي للفرد الذي لا يميزه إلا عندما تتعرى السلطة (في السجن الإصلاحي للمدينة).

إن السجن -مع فوكو- هو المجال حيث يتم اختصار الفرد وتحويله إلى مجرد خبز وماء وأكل وشرب وتفريغ. تماما كوجودية السجين، والسجن أيضا له نظرية وقانون ومفاهيم حول العدالة ينخرط فيها المساجين حيث يناقشون إمكانيات التحسين والإصلاح ضمن السجن. وهي سمة بارزة ومشتركة بجل مؤسسات الدولة، تحسين أوضاع وظروف المؤسسة بدل تعديل وتطويق إجبارية وتشطط السلطة المتخفية، والسالبة لماهية الإنسان، أو لجانب كبير منه.

كل ذلك يجعل من الخارجين عن المؤسسات، مساجين هاربين، جانحين خطيرين. من الطفل المشاكس؛ للمرأة التي تتمسك بشروطها في الزواج؛ للعامل المناضل الذي يطالب بواقع أفضل؛ وصولا للفرد الذي يرفع يده أمام تعالي الدولة وأي تجاوز للسلب. جميعهم بصف مقاومة، وعند هذه النقطة، وهنا أستعير جملة دولوز “(سيكونون) انطلاقا من أبسط وأصغر المطالب مهما كانت، مجبرين على الإطاحة بالسلطة”.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حمودة إسماعيلي

, المغرب