أضيف في 5 يونيو 2018 الساعة 14:16

عن محمد صلاح وحكاية الرموز والبطولة


ياسر الزعاترة

بوسع الكثيرين أن يزايدوا على أولئك الذي أصيبوا في قلوبهم، جراء إصابة محمد صلاح في كتفه، وأن يرموهم بالاهتمام بسفاسف الأمور؛ وسط هذا الخراب الذي يحيط بنا من كل جانب، ووسط هذا الظلم الذي يُصَبّ على رؤوس الأمة، ويسفك دماءها في ديار شتى.
شخصياً؛ لست من متابعي المباريات الرياضية، سواء أكانت كرة القدم أم سواها، لكنني مثل كثيرين حزنت لما أصاب الشاب المصري الطيب، ورأيت ما جرى له من خلال «اليوتيوب»، وتابعت بالضرورة ذلك الحزن الذي اجتاح مواقع التواصل، حين تابع الجميع دموعه، وهو يخرج من الملعب.
ذكّرني محمد صلاح، وذلك التفاعل الهائل معه، بأيام الصبا، حين كنا نتابع بشغف لا يوصف مباريات محمد علي كلاي، رحمه الله، وكيف كان الرجل الذي أعلن إسلامه، واعتز بدينه وباسمه الجديد، يحتل مكانة بارزة في قلوب جماهير الأمة.
إننا إزاء أمة مجروحة ومُهانة، وهذا جيل جديد لم يعرف سوى قليل من الانتصارات، مقابل الكثير من الخيبات والهزائم، وحين يخرج من بين صفوف فقرائها والطيبين من أبنائها من يتفوق في أي ميدان، فإنها تحبه وتنحاز إليه، وإلى معاركه، أكانت عسكرية، أم فكرية، أم رياضية، أم اقتصادية، أم سياسية.
هي أمة تعشق الرموز، وهي في مخزون وعيها الجمعي تعيش على بطولاتهم وذكرياتهم؛ من لدن سيدهم عليه الصلاة والسلام، ومروراً بخيرة الصحابة والأبطال، وحتى الشهداء والأسرى في زمننا الحاضر، بجانب العلماء الصادقين والمخلصين، ومعهم كل من حمل همّ دينه وأمته.
ليس محمد صلاح سوى وجه من الوجوه الطيبة التي تمر بها الأمة، فتحبها وتنحاز إليها، فهو بأخلاقه الجميلة قدّم نموذجاً طيباً للكثيرين ممن يتابعونه في امتداد الأرض، وعكس صورة رائعة عن دينه.
من الطبيعي أن يحاول الساسة أن يجيّروه لصالحهم، وهو ليس جيفارا، كي يرفض ذلك، لا سيما أنه يعلم أي مصير ينتظره لو حاول التمرد، وقد رأى آخرون لم يتمردوا، ومع ذلك أصابهم ما أصابهم، لمجرد التزامهم الديني.
لا داعي، والحالة هذه، إلى تلك الموجة من الهجاء التي كان بعضها يعكّر أمزجة الناس، ويتحدث عنهم، وكأنهم تخلوا عن قضايا الأمة، وانحازوا للعبة كرة، فهؤلاء الذين يتابعون المباريات ليسوا بعيدين عن هموم أمتهم، ولا قضاياها، وحين ينادي المنادي ستجد كثيرين منهم في الميدان بين الجموع.
في معركة البوابات الإلكترونية في القدس قبل شهور، والتي أذلّت نتنياهو، عجب الناس من ذلك الجيل الشاب، من ذوي الألبسة الغربية، وقصات الشعر غير المنضبطة، فقد كانوا في مقدمة الصفوف في تلك المعركة، وسجلوا بطولات ولا أروع، وبعضهم تعلّم الصلاة لأول مرة في خضم المعركة.
هذه أمة ولّادة؛ لا يجب الشك في ذلك، وهي بمخزون وعيها الجمعي الراسخ ستبقى كذلك، وستبقى تنحاز لمن ينحازون لضميرها ويدافعون عن قضاياها، والأهم أنه لا خوف عليها، فإذا حدث أن سقط أحد هؤلاء في الامتحان، فإنها تتركه دون تردد، وتبقى وفية لقيمها الجميلة، ولمن يحملون تلك القيم، ويضحّون من أجلها.;


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ياسر الزعاترة

كاتب ومحلل سياسي   / , فلسطين المحتلة