أضيف في 26 ماي 2018 الساعة 19:04

إنك على كرسي الاعتراف أيها المدرس..!


المصطفى سالمي
مَن مِنّا لا يعرف قصة (المستحق للعقاب)؟! إنها تنطبق أشد الانطباق على وقائع اليوم وأحداثه، في القصة يُروى أنه حدث طاعون أودى بحياة عديد الحيوانات، فجمع ملك الغابة رعاياه لبحث المسألة وقال لهم:
ـ إن هذه اللعنة سببها دون شك ذنب اقترفه واحد منا، وعلينا في جلسة الاعتراف العلنية أن نقرّ بذنوبنا لعل الله يزيل الغمة، ويرفع الوباء الذي فتك بالأمة.
وبدأ الملك بالاعتراف قائلا:
ـ قد أكون أنا سبب ما أصابنا من هذه الآفة، فذات يوم هاجمتُ إنسانا دون ذنب اقترفه، وافترسته شر افتراس.
هبّت حاشية الأسد على الفور تبرر فعلته مدّعية أن الإنسان عدوها، وأنه فعل فعلا حسنا وشرعيا. ثم تقدم الذئب قائلا:
ـ ربما أكون المذنب، فقد سبق لي أن هاجمت جماعات الخرفان الوديعة وافترست بعضها في غفلة من الراعي..
هبّت على الفور جماعة الأسد وأتباعه تبرر الفعل مدعية بأن الخرفان كائنات بليدة لا تستحق العيش، وأنها في نهاية المطاف ستكون طعاما للإنسان عدو الغابة وحيواناتها، ثم تقدم الثعلب وزعم أنه التهم عديد الدواجن، وربما يكون هو سبب اللعنة والوباء، ولكن حاشية الأسد وجدت له ألف مبرر وعذر، ولم يتبق بعد مرور معظم الحيوانات إلا الحمار، تقدم الأخير نحو كرسي الاعتراف واهما أنهم سيجدون له العذر مثلما وجدوه لباقي الحيوانات المفترسة الشرسة، وقال:
ـ أنا سيدي الأسد سبق أن أحسست ذات يوم بجوع شديد، وكنت قريبا من أحد دور العبادة، فقضمت قضمة من برسيم، فهل أكون أنا المذنب؟!
تحركت الرؤوس مبدية الأسف، ورددت الألسن:
ـ يا له من ذنب عظيم أن تُنتهك حرمة بيوت الله! ثم انقضت الحيوانات على الحمار الذي سلم نفسه وجبة شهية لها وهو يعتقد أنه هو سبب اللعنة والوباء..
ما أشبه اليوم بالبارحة! إننا في زمن يُداس فيه الضعفاء لذنوب ربما تكون واهية أو لا أساس لها أصلا من الصحة، وربما صدقتها أصحاب النفوس الضعيفة، والأمر هنا يتعلق بمدرس مدينة (خريبكة) المغربية الذي عنف في لحظة غضب وانفعال تلميذته التي رجمته بالطبشورة، فعلت ذلك وهو يؤدي واجبه المقدس أمام التلاميذ لمرات متكررة، وهي متعودة بشهادة زملائها وزميلاتها على طيشها هذا وشغبها وسماعها الموسيقى في الفصل الدراسي، كل هذا في ظل واقع تعليمي متردٍ في البلاد من حيث الاكتظاظ وتكبيل المدرس بالمذكرات التي تمنعه من مجرد زجر بسيط للمتعلم أو إخراجه إن لم يحضر اللوازم المدرسية.. هكذا وفي ظل هذا الجو المر الذي يقبع فيه المدرس أصبح الأخير مادة للسخرية والتندر والفكاهة، وهو ما شكل بيئة خصبة لسلوكيات يبدو أن الدولة تشجع عليها، لقد زار كبار المسؤولين في الإقليم هذه المشاغبة بتوجيهات وأوامر من رؤسائهم الكبار في الدواليب المعتمة، وفي بيت التلميذة التي صورت على أنها ضحية الأستاذ "الجاني" حلت اللجان التفتيشية والمدير الإقليمي ومدير الأكاديمية، والتقطت الصور التذكارية، وكأنما حازت هذه المشاغبة بطولة عالمية للبلد في الرياضيات، أو حازت السبق العلمي في اختراع سيغير حال البلد اقتصاديا واجتماعيا وعلى كل الأصعدة، وها هي الصحافة تفسح لها المجال وتعطيها مساحة واسعة للكلام، بينما اعتقل المدرس شر اعتقال، ووضعت الأصفاد في يديه وكأنما هو من عتاة المجرمين والسفاحين، ولا أحد التفت إلى لصوص المال العام من كبار المسؤولين في طول البلاد وعرضها، ولا أحد كلف نفسه قبل وقت قريب من زيارة أستاذة البيضاء التي شوه وجهها تلميذ مشاغب بآلة حادة، ولا أحد من كبار المسؤولين تآزر مع عشرات المدرسين ضربوا بالسكاكين والآلات الحادة وشرع في ذبح بعضهم من طرف تلاميذهم، ونحن هنا لا نوجه السهام والسكاكين للتلميذ في ما جرى ويجري، فالأخير بدوره ضحية لمنظومة مشروخة، حيث التعليم في بلادنا يراد له الانهيار بكل الوسائل الظاهرة والخفية، بدءا بمحاولة تشجيع اللهجة (الدارجة) بدل اللغة الفصحى، مرورا بمحاربة المجانية وتشجيع الخوصصة، وانتهاء بنظام التعاقد لإذلال رجل التعليم وجعله خانعا خاضعا، وبالتالي منع الإضرابات المحتملة والمطالبة بتحسين الأوضاع، وجعل سلاح وشبح الطرد التعسفي مسلطا كسيف ديموقليس، هكذا إذن تفتح هذه الواقعة الآن سلاح السجن الذي سيتهدد من الآن كل مدرس انهارت أعصابه في لحظة غضب وانفعال وامتدت يده نحو تلميذه أو تلميذته، ونحن هنا لا نشجع مثل هذه السلوكيات ولا نؤيدها، فالعنف ليس سلوكا حضاريا البتة، والمدرس لم يكن في وضعية عقاب تأديبي كما كان يفعل مدرسو الزمن القديم ـ وما زال بعضهم لليوم يفعل ـ حين يستعمل الواحد المسطرة أو عصا صغيرة ويهوي بها على يد المتعلم، لكن هل صفع تلميذ يعتبر كافيا لتكبيل يد المدرس بالأصفاد أمام الملأ والزج به بين قضبان المعتقل مع المجرمين واللصوص، ألا ينبغي أن تتناسب العقوبة مع الذنب المقترف، كالتنبيه الإداري والتوبيخ ـ إن كانت صفحة الأستاذ خالية من السوابق وكان أفنى عمره في التدريس وكان في حصة دعم مجانية كما هو حال هذا المدرس الذي احترقت أعصابه بين الفصول ـ ثم بعد ذلك الاقتطاع من الأجرة أو عقوبات إدارية أخرى حسب درجة العنف الممارس، سيقولون لنا إن الذنب موثق بالصوت والصورة، لكننا سنرد على هؤلاء بأن الصورة وثقت عشرات الحالات لرجال الدرك وهم متلبسون بالرشوة جهارا نهارا، وقتها طالب المسؤولون صاحب الأشرطة بتسليم نفسه للشهادة ـ عفوا لتلقي العقوبة ـ ففي بلدنا السعيد يحرم أخذ الصور للغير دون إذن، وفي أقصى الحالات تم تنقيل الجاني، فهل الدولة تعطي الانطباع هنا بأنها ذات معايير واضحة موحدة وسليمة، أم قصة (المستحق للعقاب) تحضر دائما وأبدا، ونعود للنازلة وأساسها الذي هو عقاب التلميذ جسديا وكيف تطور الأمر ليصبح بمثابة جنحة وجرم، فهذا السلوك قديما كان ممارسة عادية، فكل أجيال السبعينات والثمانينات والتي تمسك حاليا بدواليب الأمور ـ من موظفين وإداريين وحتى مدرسين.. ـ تخرجت من نظام تعليمي عموده وأساسه العقوبة البدنية، فجدول الضرب والتصريف وحفظ نصوص من القرآن كانت تتم تحت طائلة العقاب، ولم يقل أحدهم يوما إن هؤلاء المدرسين كانوا جناة مجرمين، حقا تغيرت الظروف وظهرت النظريات الحديثة وأعادت النظر في المنظومة التربوية ككل. وفي ديننا الإسلامي نجد العقوبة البدنية حاضرة في تعليم الصغار: (علموا صبيانكم لسبع واضربوهم لعشر)، وهناك من ضعف هذا الحديث، ولن نعدم من يهاجم اليوم الآية القرآنية: (واللائي تخافون نشوزهن، فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) الآية، فالضرب هنا ضرب تأديب لا ضرب انتقام، بدليل أنه ضرب خفيف غير مبرح فقط للزجر والتوجيه والإرشاد، مع أن بعض المفسرين المحدثين ذهبوا في تفسيرهم بعيدا حين تحدثوا على أن المقصود بالضرب في الآية هو الابتعاد وقطع العلاقة..
إن الشعر العربي في قديمه لم يغفل موضوع عقاب المتعلمين، وهذا أحدهم يقول:
لا تحزنن على الصبيان إن ضربوا
فالضرب يبرا ويبقى العلم والأدب
الضرب ينفعهم والعلم يرفعهم
لولا المخافة ما قروا وما كتبوا
لولا المعلم كان الناس كلهم
شبه البهائم لا علم ولا أدب
لكن العصر تبدلت أحواله، وتغيرت النفوس، وما عاد أحد يتقبل الضرب في زمننا، ووحدهم مسؤولونا يضربون ويعنفون، إنهم لا يترددون في تكسير رؤوس المحتجين أمام قبة البرلمان أمام عدسات المصورين، سواء كان هؤلاء المتظاهرين دكاترة أو معطلين أو مدرسين.. إنهم يبيحون لأنفسهم ما لا يبيحونه لغيرهم..! أم تُراهم يؤدبون ويربون، أليس المخزن بمثابة أب للشعب كما يروجون!
إن المنظومة التربوية لا تهتم أصلا بالمتعلمين ومدى تحصيلهم العلمي سواء بالضرب والعقوبة الجسدية أو بدونها، إن مسؤولينا يريدون الانتقام من دعامة التنوير والوعي التي هي التعليم، فالإعلام الرسمي مدجن خانع، والأسرة مفككة ضائعة، فينبغي للتعليم أن ينهار ، إن مجرد تكدس سبعين متعلما في فصل واحد تعد بمثابة عنف رمزي شنيع في حق هؤلاء، إن آخر قلاع الأمة هو المعلم الذي هو نبي زمانه (العلماء ورثة الأنبياء)، لذلك جُمدت الأجور وعُبئت جداول الحصص وضُغطت الأقسام بالمتعلمين، وكبل المدرس بالمذكرات والمهام، قد اتهم التعليم في بداية الثمانينات بأنه وراء تفريخ المعارضين، وأنه سبب الاحتجاجات والمظاهرات، فكانت الحرب التي شنت عليه ونجحوا في توسيع الهوة بين المعلم وتلميذه، وبين المعلم ومحيطه.
وها هو صحفي لا يتردد في توجيه سهام التجريح لكل المدرسين الذين تضامنوا مع مدرس (خريبكة) متهما المنظومة بأنها مريضة، وأن المدرس إما مريض نفسيا ينبغي علاجه أو مجرما ينبغي حماية تلاميذه من أذاه، ولم يتوقف هذا الصحفي عن تمرير مشهد تعنيف المدرس لتلميذته، من قال لك أيها الصحفي إن المدرسين بعد أن يقضوا عشرات السنوات بين فصول الدراسة تبقى صحتهم النفسية متماسكة، لو كان الكشف النفسي يتحدث لقال لك إن الشخص مهما كانت صلابته النفسية وقوته الذهنية لا ينبغي له أن يتجاوز عقدين من الزمن في هذه المهنة الحارقة، فهل نضحي بكل هؤلاء ونرمي بهم في المعتقلات أو المصحات النفسية إن فلتت أعصاب الواحد منهم وهم كالضحية تنهش أعصابها ذوات الناب والمخلب فتُنتزَعُ منها الأشلاء آناء الليل وأطراف النهار، وعليك أيها الصحفي الذي يستعرض عضلاته على المدرس أن تزور المصحات وأطباء تخصصات حالات الصداع والأعصاب في العيادات الكبرى بالبيضاء ومراكش والبيضاء لتقف على طوابير المدرسين الذين أصبحوا كالخردة بعد أن تآكلوا وهم يؤدون مهمة نبيلة شاقة ملتهبة، وعليك أيها الصحفي أن تقرأ ما كتبه الجاحظ عن (معلم الصبيان) وكيف يصبح دماغه وسلوكه مع طول الزمن ومرور الأيام، وعليك أيها الشجاع أن تقف بالمرصاد لخطة تمديد التقاعد التي ستجعل المدرس تنفلت أعصابه أكثر وأكثر ليجد أمثالك ممن يطالبون بالزج بهم في المعتقلات الفرصة مواتية للتشدق بالكلمات الرنانة، وأنت الذي عاين ويعاين زميلا صحفيا اسمه (حميد المهداوي) يعذب ويعتقل فقط لأنه نقل الصورة من مدينة الحسيمة، ولم تستطع أن تتفوه ولو بكلمة صغيرة في حقه تشجب فيها اعتقاله منذ شهور دون محاكمة وهو الآن يخوض إضرابا عن الطعام.
إننا في زمن التناقضات الصارخة، فسب شعب بأكمله ونعته بـ (المداويخ) وبـ (القطيع) و(المجهولين) و(الخونة) لا تعد تهمة ولا تستحق المتابعة، بينما تلفظ المدرس بكلمة ـ نستهجنها وندينها ـ في لحظة انفعال تستحق السجن وقطع الرأس، يبدو أنك أيها المدرس أصبحت فعلا (المستحق للعقاب)، لقد قضمت قضمة البرسيم الملعونة، وستقضم مستقبلا قضمات ستفضح واقعنا أكثر وأكثر، لكننا لن نصدق أنك مذنب حقا، فأنت وتلاميذك في الهم سواء، سنقول لذوات الناب والمخلب:
ـ افترسوا كما تشاؤون، لكن بدون كرسي اعتراف، يكفي الجاني أنه صلف متعجرف، لكن لا ينبغي أن يطالب الضحية بالإقرار بذنب هو منه براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب