أضيف في 16 ماي 2018 الساعة 20:27

دروس المقاطعة


رشيد اليملولي
دروس المقاطعة .
تشكل مقاطعة بعض المنتوجات المغربية ، حلقة ممتدة في تاريخ الحراك و الاحتجاج الاجتماعي ؛ إذ هي علامة من علامات النضال الخاصة بهذا المجتمع تجاه الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية ، التي ترزح تحت نيرها العديد من الشرائح ، إلا أن هذه الحلقة تختلف في بنيتها و نسقها و فلسفتها ، و أولى علاماتها أنها غير مرتبطة بالشارع أو التنظيم السياسي و النقابي ، و الدال في هذه التجربة الاحتجاجية هو قدرتها على صياغة بعض ملامح " رأي عام " و إن كان افتراضيا ، استطاع به أن يزيح الستار عن الأقنعة السياسية التي ظلت جاثمة على أي تحول فعال ، و التي بات النظام السياسي يروجها للاستهلاك السياسي داخليا ، و تلميع الصورة و تقديم أوراق اعتمادها خارجيا ، في وقت تبقى مستويات التنمية و التعليم و الاقتصاد دون المستوى ، بل و تحتل مراتب ذيلية لا تليق بمستوى الخطاب المزعوم .
إن المتأمل لهذه التجربة الاحتجاجية يجد نفسه مرغما بحكم السلوك الحضاري و القيمي و الاجتماعي على قراءتها و التفاعل معها إيجابا ، بمعنى تثمين البادرة و السلوك المتعلق بها ، تكريسا للحق السياسي و الاجتماعي و الدستوري في الصدح بالرأي و الإعلان عنه ، و محاولة تقييم دورها و نزوعها ، و قيمة رصيدها في سلم الرقي بالإنسان المغربي و بثقافته الاحتجاجية .
لعل التمييز بين حركة 20 فبراير لسنة 2011 و حملة المقاطعة لسنة 2018 ، قائما في المضمون و الآلية ؛ فإذا كانت حركة 20 فبراير قد اعتمدت الفضاء العام / الشارع ، ميدانا للإعلان و الدفاع عن الرأي و التصور ، فإن حملة المقاطعة اختارت الفضاء الافتراضي وذلك تجاوزا لإمكانات قتل التجربة و إدخالها في السياقات الأمنية من خلال المواجهة مع الآلة المخزنية، و المعروفة تاريخيا بتكييف الاحتجاج مع الهواجس و التخوفات ، أكثر من مواءمته مع النص الدستوري و الحقوقي ، و ذلك لهدف أسمى هو التنزيل غير الدستوري للسيادة الأمنية على حساب سيادة دولة الحق و القانون و دولة المؤسسات .
أما على مستوى المضمون ؛ فحركة 20 فبراير كانت حركة سياسية رفعت شعارات مباشرة و حدية " حالمة " ، و قوية يصعب الاطمئنان إلى براءتها لأنها لا تستدعي التدرج ، و لا تملك خطابا سياسيا واضحا و محددا ، و صاغت مفهومها الاجتماعي الخاص سمته " الحكرة " بدلالته القوية نفسيا و اجتماعيا و اقتصاديا ، في وقت انساقت حملة المقاطعة نحو دلالة الفعل المحض دون الالتزام بخط سياسي واضح ، و يبدو أن استلهام النموذج الهندي كان بينا في برنامج المقاطعة ، أي التركيز على عينة محددة ، احتكرت السوق مستفيدة من البرامج الحكومية غير الاجتماعية ، نجاعة هذا الأسلوب و سلميته حدت من " مشروعية " تدخل المخزن ، و أردته عاجزا عن رد فعل يمكنه من تصيد الزعماء و الثوريين الافتراضيين ، الأكثر من ذلك كانت للمقاطعة هويتها الخاصة من خلال نحت مفهوم يليق بها و هو قاطع المسنود بالسخرية و الخطاب الخالي من أي هاجس سياسي ، و الأكثر من ذلك نسج نشيد خاص وأيقونة رمزية تعبر عن الفكرة .
و في سياق موازي كشفت الحملة عن أقنعة عديدة في مقدمتها الهوة السحيقة بين الخطاب السياسي و الفعل السياسي ؛ حيث بدت الفعاليات السياسية عاجزة عن اتخاذ خطوة جريئة فاعلة و استباقية تقطع على الأقل مع تقليد تحقير الشعب و ازدرائه، تبغي بوساطته بناء مبدأ الثقة و عنصر التواصل ، و إعادة الاعتبار و القيمة للعمل السياسي ، بل لم يتورع بعض الساسة في تسفيه رأي الحملة و حلمها ، و استدعاء قاموس سياسي و اجتماعي و ثقافي ، ينهل من معاجم نائية عن كل حس أخلاقي أو قيمي ، و إقبار هذا المبتغى في مستنقع خطابي يفصح عن وعيه السريالي الخاص ، و هذا ما أفضى في تقديرنا إلى نتيجتين ؛ النتيجة الأولى أن العملية السياسية المغربية ، و بالرغم من الشعارات المرفوعة محكومة بالتحايل و الخداع و الالتفاف على المطالب و الحقوق ، و استحضار الواجب و الطاعة و تجنب الفتنة ، و إنزال المجتمع إلى أحقر الدرجات ، و استصغار و احتقار عموم أفراده .
النتيجة الثانية ؛ و تخص غياب التواصل و الرؤية لأي إطار سياسي مهما كانت طبيعته ، إذ إن الارتباك و الفوضى في التعاطي مع الحملة ، قد أسقط المجال السياسي في غالبته في الهامشية و ضعف الوعي و النضج المرتبط به ، و تحويل السياسة من مجال إنتاج الأفكار و الثقة ، إلى سيادة منطق السلع و التتجير و تحقير سلطة الشعب باعتباره مصدرا لها ، و هذا ما قد يجعل العملية السياسية طقس تقني يهتم بالاحتفال و تغيير الأقنعة في شبه حفلة تنكرية ،أكثر من تغيير النمط و الطريقة و التفكير .
غير أن الضعف لا يتصل بالمجال السياسي ، بل يهم أساسا الجسم الصحفي و الفني ، الذي بدت معها بعض الوجوه و الأقلام غارقة في تواطؤات خفية تشتم منها رائحة السلطة المتأتية من المال ، لدرجة أصبح الأمر متعلقا بتصفية و استئصال حتى الحق في الاعتراض ، دون الحديث عن المحاولات الجادة للتأثير عليه بغية وأده في المهد ، فعلى الرغم من الحق في الاختلاف و تقييم السلوك اجتماعيا و سياسيا ، لم يكن الوعي الكامن خلف خطاب بعض المنابر الإعلامية و الوجوه الفنية ليتجاوز ذاته و تصوره ، بالرقي المتأتي أساسا من السلطة الرابعة و السلطة الجمالية و الفنية ، أو ما يمكن أن نسميه الإعلام و الفن الجماهيري، و بسط مادة إعلامية فيها الحق في الاختلاف و الإبداع و الروح المرحة تعكس ذهنية بدأت في التحول من الطابع و الخاتم التقليدي نحو عالم الاتصال و التواصل .
لقد قدمت حركة 20 فبراير و حملة المقاطعة مؤشرات للعمل النقابي و الحزبي و المنظمات المهنية و المدنية ، حاولت بوساطته تغيير معالم العمل و الخطة النضالية ، بما يسمح بالانتقال نحو رأي عام موحد ، في وقت ظلت هذه الهيآت أسيرة خطها العلائقي و الزبوني و العائلي ، لدرجة تفوقت فيها هاتان الحركتان في الثمن السياسي و الاقتصادي على ما قدمه العمل الرسمي على الأقل في مستوى الضغط و التأثير المباشر في اللحظة الراهنة ، و يمكن النظر في هذا السياق إلى الهزالة و الفتات المرتبط بالحوار الاجتماعي.
بقي أن نشير إلى أن الحملة قدمت درسا قاسيا للحزب الحاكم و كتائبه ، ففي الوقت الذي تعالت فيه الأصوات بأن حملة المقاطعة سياسية من ورائها كتائب العدالة و التنمية ، تروم النيل من بعض الرموز التي أسهمت في ما سمي بالبلوكاج السياسي ، تحولت البوصلة إلى إدانة الحزب و تحميله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع سواء في صمته المطبق أو تجاهله للحملة و تسميم جدواها ،و ما الحملة التي انبرت ضد هذا الحزب إلا دليل على انقلاب السحر على الساحر ، و لعل الشكل الخافت و الباهت التي بدت به مظاهرة الرباط عشية نقل السفارة الأمريكية نحو القدس و الذي دعا إليه الجناح الدعوي للحزب الحاكم ، بغية امتصاص و توجيه الانتباه و تشتيته ، سوى مؤشر له قيمة كبيرة في فهم الموت الرمزي و الجاذبية الدينية في استقطاب الأنصار و الموالين ، في أفق الموت السياسي المحتوم .
و ارتباطا بالمنحى نفسه ؛ أبانت الحملة عن ضعف المساندة المثقفة المتعلقة بالنخب التي بإمكانها أن تسندها و تؤازر امتدادها ، و تعطيها نسقا حجاجيا كبيرا ، إلا إذا كان الكلام في هذا المستوى يعني أن النخب الوطنية قدمت استقالتها ، و اختارت عن طواعية الالتفاف إلى جانب الغنيمة المتأتية من القرب من السلطة ، و في هذا تنتصب أمامنا صور بعض أصحاب بضاعة التحليل في القنوات التلفزية الوطنية و الدولية ، و التي عرت الحملة عن سقوطها في غموض الموقف و التباسه، و التباين الصارخ بين الخطاب المؤدى عنه في القنوات التلفزية ، و الموقف القيمي الذي يرصع سهمه في بورصة قيم الشعوب ، و الذي انهزمت فيه النخبة المغربية إذا جاز لنا توصيف الأمر بهذه الطريقة .
و ينضاف إلى ذلك ، انخراط الفقه السياسي في دعم التسلط و الاحتكار من خلال سكوته غير المفهوم و غير المبرر ، إلى مستوى قد يدفعنا إلى الاعتقاد في الشك في صدقية التدين المرفوع إذا لم يكن لصالح الحق ، الذي يصبح صاحبه شيطانا أخرسا إن لم يجهر به ، و مع هذا تتوالى سلسلة الهزائم التي لحقت الفقه من جراء ارتمائه في أحضان السلطة و المال ، و مخاصمة الشعوب في قضاياها العادلة التي نادرا ما اصطف الفقه إلى جانبها إلا من حالات معدودة على الأصابع .
إن الحق في الاحتجاج الحضاري السلمي و غير العنيف ، ليعد مقياسا للتحول من احتجاج بارد و عقيم تفرضه السلطة من دون ثمن سياسي و اجتماعي ، إلى احتجاج يحتم إعادة النظر في العديد من المنطلقات غير التنموية ، بغية إعادة رسم مغرب الإمكان و التنمية و العدالة دون إخلاف الموعد ، أو الالتفاف على اللحظة ، و البحث عن كيفية تطويقها و محاصرتها ، فالمؤشرات المقدمة من هذه الحملة و غيرها تلزم النظام الاجتماعي و السياسي الوطني بمختلف أطيافه ، إعادة بناء القرار من أصوله الاجتماعية ، و تحويل المشاريع الاقتصادية و السياسية إلى حاضنة للمجتمع و قضاياه ، طموحاته و آلامه ، أحزانه و أفراحه ، حتى تتحول الدولة من مشروع مأمول ، إلى واقع ملموس، و خلاف ذلك يعني قسرا ووجوبا فشل دولة و موتها ، و ذيلية مجتمع و ضعفه ، و صورة سياسة وخربشاتها ، و سوق اقتصاد و ترف سلعه ، و هذا ديدن و دين الدولة الفاشلة بامتياز .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب