أضيف في 16 ماي 2018 الساعة 18:48

ذكرى سوسية


نورالدين البودلالي
انتهى الأمر، لامجال للتراجع. كانت الرحلة رتيبة على مثن هذه الحافلة، كسرها زعقنا نحن القادمون من مدن ساحلية أو قريبة من الساحل وسط البلاد نحو هذه القرية السوسية. غدا ستبدأ قصة جديدة ومثيرة: قصة حياتية. كنا نحاول أن ننظر لكل جزئية، نقتنص كل لفتة ونعلق حتى لا تضيع من سجل هذا اليوم. لا ننسى أن نصخب بضحكنا العالي وكأننا نتعمده. لربما هذا ما جعل الرجال يلتفتون نحونا في النصف الأمامي من الحافلة، مختلفة تعابير سحناتهم، والنساء، على ندرتهن، تتكمشن في أرديتهن السوداء الموشحة بخطوط صفراء وخضراء.
كل منا ينعت بأصبعه مكانا قصيا في أعلى جبل تبدو فيه ما تشبه أبنية، قائلا: «راها فرعيتي!». إلا أحمد فقد كان يبدي بعض التردد، وإن كان ينخرط في ضحكة تكاد تكون صفراء كلما ارتفع صخب الرفقة. عينا أحمد وكأنهما تستعجلان محطة الوصول، التي يبدو أنها لن تكون إلا غرة واحدة: الثلث الأخير. كان بهما ضياع، فلا تكادا تستقرا بمحجريهما.
لعل اللمسات الكوي-بويية تضفي على المشهد إثارة خاصة. لقد بدا الأمر جليا حين انضغط على الحصار، فألفينا أنفسنا وسط بلدة لاساكن بها، أو يكاد. رياح غير قوية، لكنها ساخنة، تجبر الأعين على التقواس. لم يُسمح لنا باستئناس المكان، على الحافلة أن تبيث في مِن أين أتت. وعلينا أن نقضي الليلة بما يمكن تسميته فندقا، قبل أن يستأنف كل منا رحلته حيث عُيّنَ.
حلقة شكلنا، قبل الالتحاق بال"فندق"، حول أمتعتنا التي خمنا أنها تكفينا للبدء قبل انطلاق موسم الشتاء. إلا أننا لم نخمن أبدا أن الإلتقاء بهذا العالم سيكون جافا إلى هذا الحد. كل كلمة نتفوه بها تعمل على ترطيب الجو، وقذف كمية السخط الدفين في أحشائنا. نرفع أعيننا إلى تلك القمم: ماذا تخبئ؟ ثم أنزع عيني بقوة في اتجاه هذا أو ذاك. كلنا نفعل ذلك، علنا نستمر في الحفاظ على بعض الصخب حتى لا نصير عرضة للمرارة.
اقتربت منه بخفة. كان الوحيد ألذي يجلس مستندا إلى كومة لحاف سرير ليس له. مطأطأ الرأس كمن ينتظر تنفيذ حكم استعجالي فاجأه، وعيناه منسدلتان. نفضته من دراعيه، فهمﹼ واقفا وقد وجد أمامه عينين غاضبتين. لحظة، ثم:
اسْــــمــــاقْ
«مالنا، آش كاين آأحمد؟!»
لعله لم يكن ينتظر ذلك، فقد هب سريعا يمسح دمعة كادت أن تُرسم بعينيه إلى الأبد..


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب