أضيف في 14 ماي 2018 الساعة 21:11

الأخطبوط


المصطفى سالمي
إنه السيد (عزيزي)، المسؤول الإداري الأول ومدير شركة (البذور المنتقاة) بإقليم "العجيلات"، هو شخص قصير القامة، ضيق العينين، شاحب الوجه، تعلوه صفرة فاقعة كاصفرار الموتى، رجلاه دقيقتان مقوستان، تنحرفان حتى تكادان تتلامسان من الأسفل كما تتصلان من أعلى، أما رأسه فحجمه كبير يكاد يشكل ثلث الجسم المتكور من الوسط. كان شكل الرجل أحجية مثيرة للسخرية، فبقدر السخافة والمسخ من حيث الظاهر كانت البشاعة والقبح من الداخل أيضا، ولعل الناس كانوا يستغفرون ربهم إن ذكروا شيئا من قبح الظاهر ولسان حالهم يقول: "لله في خلقه شؤون"، لقد كانوا يتحرجون من السخرية من شيء خلقه الله، ويردد الواحد منهم في أعماقه: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا"، كان البؤس المزدوج عند صاحبنا آية للناظرين والمعتبرين، ورغم أن السيد "عزيزي" كان يتلقى أجرة ضخمة لقاء إدارته للشركة، وتعويضات أخرى أقلها السكن والتعويض عن الماء والكهرباء والتنقل، إلا أن لقب "الأخطبوط" كان بالنسبة للرجل اسما على مسمى، فقد كان "عزيزي" يمارس جشعه حتى بالنسبة للحارس الأمني للشركة حيث يشاطره طعام إفطاره من شاي وخبز وجبن، ويتعلل بأنه يتواضع حين يفعل ذلك، ويقتطع من أجرة صغار عمال الشركة مبالغ يبررها بأنه تنقل بسيارته من أجل جلب رواتبهم الشهرية من الخزينة العامة، ولكن الأغرب من ذلك أنه لا يتردد في قطع الأشجار التي تزين حديقة الإدارة، ويبيعها خلسة كما باع من قبل بعض حواسيب المصلحة الإدارية متعللا بأنها متعطلة، وكتب تقريرا مزيفا بذلك، وكان "الأخطبوط" كذلك يمارس هواية نشل المصابيح الكهربائية من مكاتب الإدارة والزعم بأنها احترقت، وتعددت الشواهد الدالة على أنه اختلس بعض كراسي الشركة ومكاتبها وكراسي الحمام الرخامية وحوض الصنبور البلوري بطرق لا يعلمها إلا عليم، وفي أوقات مجهولة، وربما كان صاحبنا يحل في الأمسيات المظلمة من أجل هذه المهمات القذرة، ولقد علق أحد الظرفاء على ذلك قائلا:
ـ إن "الأخطبوط" ربما كان لا يتردد في سرقة الجدران والأبواب والنوافذ لو أتيح له ذلك!
وتتوالى السنون، وتقترب لحظة إحالة السيد "عزيزي" على التقاعد، حينها كان الأخير يعيد النظر في ماضي حياته مُحصيا الفوائد والحصيلة، لكن الغريب في الأمر أن ما كان يجول في ذهن الرجل وقتئذ هو فقط المحصول المادي لماضٍ عمره أربعة عقود من العمل، يمر الشريط أمام العينين الصغيرتين الضيقتين، ليحصي بحسرة وألم ما يراه السيد "عزيزي" ضئيلا مقارنة باختلاسات بعض كبار رؤسائه في العمل، إنه يقف أمام الأرقام الضخمة لميزانيات هؤلاء وتتضاءل نفسه أمامه لأنه خرج حسب زعمه بمردود أقل مما يستحق! ماذا تعني ميزانية الأنشطة الترفيهية السنوية لفائدة عمال شركة "البذور المنتقاة" التي كان يخفيها عن هؤلاء ويدسها في حسابه الشخصي؟! وماذا تعني تعويضات النظافة والصحة بالنسبة للعمال الصغار التي كان يسطو عليها "الأخطبوط" ولا يدري بها أصحابها؟! إنها مجرد أرقام تافهة في نظر صاحبنا، ومهما ابتلع "عزيزي" كموج البحر وكلهب الحريق فلا شيء يطفئ ظمأ الجوع الداخلي الذي يهفو للمزيد عند كائن لا يشبع.
تمر الأيام، ويطوي التاريخ قصة "الأخطبوط" إلى غير رجعة، لقد كان الإداريون ينتظرون بفارغ الصبر حلول رئيس جديد للمصلحة الإدارية: "البذور المنتقاة"، بينما كان البعض الآخر يضع يده على قلبه متوجسا من الكائنات المجهرية التي تنتفخ حين تتاح لها ذرة من صلاحيات السلطة والتحكم، فإذا بالواحد منها يتضخم ولا يرى إلا نفسه، ويرى قزما ما سواه، ويود لو يمتص دمه إلى آخر قطرة، إلا أن أحد العقلاء والحكماء في الشركة قال بثبات ودون تردد:
ـ لن يكون هناك أسوأ مما كان، فالسواد الحالك لعهد السيد "عزيزي" صنعته تراكمات من الانبطاحات، وقد ثبت أن الأوغاد والجياع إذا جرفهم تيار الزمن، فإن صفحات أخرى لابد أن تحمل بشائر الخير، فليس في البقعة القاتمة ما نأسف عليه، بشرط أن نتحرر من الداخل ونبني أسس علاقات جديدة في ما بيننا..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب