أضيف في 13 ماي 2018 الساعة 19:55

الحرباء


المصطفى سالمي
إذا كان لأم أربع وأربعين عشرات الأرجل تمشي بها، فإن لـ (هنّوم) مثل ذلك وأكثر من الألسن والأعين، ألسن عديدة لتزيين وزخرفة الحديث، وأعين كثيرة لمراقبة كل حركة وحدث في محيطها، إنها رادار يرصد كل كبيرة وصغيرة، لا يقر لـ (هنّوم) قرار حتى تعرف تفاصيل التفاصيل، وجزئيات المقسم، وإلكترونات الكائن الذري ونواته من وقائع الحارة والإدارة التي تعمل بها، وتفاصيل مجريات القريب والبعيد، وحبذا لو أن شطرا منها يبقى في البيت يرصد كعين مجهرية، وشطر آخر يتحرك هنا وهناك وفي كل مكان، هي إذن كائن مهووس بالآخر، تود لو تجري منه مجرى الدم في العروق، فهي تئن وتكاد تمرض إن فاتها من أمر زميلاتها في المصلحة الإدارية ـ حيث تشتغل ـ ما صغر شأنه أو كبر، ولا تنتظر (هنّوم) أن تأتي إليها المعلومة، بل تسعى هي إليها، بكل طاقتها وطرقها وأساليبها الآدمية منها وحتى الشيطانية والملتوية، تسأل عن الآخر مأكله ومشربه وملبسه، جيرانه وأقاربه، تتلصص على ماضيه وحاضره، عن أسماء أبنائه وألوانهم وسنهم ومستواهم الدراسي، تبحث عن أصول الزوج، طوله ووزنه إن أمكن، وحبذا لو كان بإمكانها البحث في سجلات الحالة المدنية عن تفاصيل التفاصيل مما لا يُرصد بالعين المجردة، ومما لا تأتي به ألسنة الفضوليين، ولا تلاحظه عين ترقب من وراء سطح، أو أذن من وراء باب، فلم يكن غريبا أن تقتحم (هنّوم) مكتب زميلة وقت العمل وعلى حين غرة، أو تفاجئ جارة متعللة بمبررات واهية فقط لتدخل وترى وتلتقط، هي رادار متحرك، يرصد، يراقب، يدون، ولكنه رادار لا يشعر بالحرج أو الخجل حين طرح سؤال عن غير وجه حق، أسئلة (هنوم) تفضح فضولا جارفا، ولو شئنا الدقة لقلنا إنها تحترف هواية طرح الأسئلة بشغف مستفز، إنها تتمنى لو كان الناس كتبا صفحاتها مفتوحة سهلة القراءة، بل أمانيها أكبر، فماذا لو كان ظاهر الناس شفافا كالزجاج يكشف باطنهم وما خفي منهم..
ولعل (هنوم) من أكثر الوجوه التي حيرت الناس في محيطها، فقد كانوا يعلمون من فضولها ما لا يحتاج تأكيده لدليل، ولكنها كانت متلونة حربائية، يصعب إثبات نواياها السيئة، قلة فقط كانوا يتفادونها لحشرها أنفها الطويل في ما لا يعنيها، كانت (هنوم) ذات ألف قناع وقناع، فالبسمة الخادعة لا تفارقها، وهي تدعي صداقة الجميع، ولا صدق فيها لأحد، وحدها (شلبوطة) المغرورة كانت تودّها وتعاشرها وتصافيها في ما يبدو، كانتا تظهران كتوأمين لشدة ملازمة هاته لتلك، إلا أن (شلبوطة) ما تنفك تسائل نفسها:
ـ ماذا تستفيد (هنوم) من التهافت على معرفة تفاصيل حياة الآخرين؟
والحقيقة أن (شلبوطة) كانت متعالية على الناس وقصصهم، معتدة بنفسها أكثر من اللزوم، ولا تهتم بأحد من محيطها إلا بمقدار ما ينفخ في كبريائها الزائف، لكنها كانت تجد ضالتها في (هنوم) المتلونة بألف لون وشكل، كانت الأخيرة تُرضي كبرياء (شلبوطة) بما تغدقه عليها من أوصاف التعظيم والتبجيل، بينما (شلبوطة) ـ في المقابل ـ كانت تمثل سندا لـ (هنوم) عند رؤسائها في الإدارة كلما لزم الأمر، ومع مرور الوقت أصبحت (هنوم) تمد (شلبوطة) وغير (شلبوطة) من الزميلات ومن الإداريين بالمعلومات الضرورية، وكأنها أرشيف ذاكرة يسجل تاريخ كل فرد وكل موظف في المصلحة الإدارية، إنها تعرف أكثر مما يعرف (مقدم) الحارة، بل إنها عاصفة مخابراتية تتحرك كالإعصار، وقد كان لقاؤها بـ (شلبوطة) قد حولها لعنوان يصح أن يقال عنه: "تزاوج الانتهازية بالفضول"، هكذا ارتقت (هنوم) إداريا على حساب زميلاتها بفضل اشتغال حواسها من سمع وبصر ولسان، فما تجمعه وتلتقطه تنقله بأداة النطق السليطة التي لا تُغيّبُ أو تُفلت كبيرة ولا صغيرة، وتغطي على كل هذا بابتسامة صفراء فاقعة معقبة بعبارة:
ـ إننا في هذه المصلحة الإدارية ننعم بالصفاء والمودة..!
بينما زميلاتها اللواتي تخلفن في الترقية أو حرمن من حقهن فيها ـ منذ أن حلت بينهن (هنوم) ـ كن يرددن بحنق وأسى:
ـ أنتِ وحدك من ينعم بالصفاء يا (هنوم) يا وجه البوم..!
لكن (هنوم) كانت تندفع نحوهن بصلف وتقحم أنفها وسطهن لا تبالي بضجرهن بحديثها المفضوح، وحواسها اللاقطة كما الصحن المقعر للرادار، وقد نجحت (هنوم) في كثير من المرات في الظهور بمظهر المسالم الطيب، رغم أن كثيرا من زميلاتها وقريباتها نفرن منها لأنها تقحم نفسها في ما لا يعنيها، وتسبب المشاكل لبعض الناس من محيطها بحربائيتها التي لا تستقر على لون أو حال واحدة، ولعل هذا ما سبب حيرة الناس في أمرها واضطراب أحكامهم في شأنها.
ومع مرور الوقت أصبحت (هنوم) جزءا من المشهد المعتاد، وما عاد أحد يكتئب أو يعبس في وجه (هنوم)، فهي نفسها لا تحزن من ردود أفعال الآخرين اتجاهها، لقد أصبحت سلوكياتها معتادة مألوفة يتقبلها القريب والبعيد، ففي وسط حيث التعايش مع (المقدم) و(المخبر) سيصبح أمرا اعتياديا أن يجد الفضولي والحربائي مكانا له وسط العوام، فهو ملح طعام الأيام، وهو أشبه بالسعال والزكام، إنه قدر لا مفر منه بالنسبة للأنام.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب