أضيف في 13 ماي 2018 الساعة 17:09

أنتم حزب لا يستحي


رشيد اليملولي
أنتم حزب لا يستحي .
حين لا يعتد و يزهو حزب بقتل الحراك و فرملة سرعته ، و يعاند الانتقال نحو غد من الممكن أن يكون أفضلا .
و حين يخرج حزب لمناهضة قضية اجتماعية ، نسوية بالأساس فيما سمي بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية ، غايته ليس قيم الدين و ليس حتى الدين نفسه ، و إنما غايته أسلاب و غنائم بلغة و سياسة تجاوزتها كل الأعراف المفضية لتحصين السياسة من أي أفكار لا تحمل إلا شعارا و صورا سريالية .
وحين يغزو هذا الحزب المجتمع بسيفه البتار كل أنواع السيادة الاجتماعية التي راكمتها الحركة الحقوقية و السياسية ، و يصر على ارتجاع لا عنوان له سوى تسلط السلطة على المجتمع ، و تكالب القوى الجشعة على حاجات المجتمع و طموحاته البسيطة و الحيوية ، و حين يهدي الحزب نفسه لسلم التراتبية فرصا خيالية ، تجعل المجتمع أسير هرم مغلق و حاد ، لا حيوية فيه و لا فاعلية ، تتسع فيه الهوة باتساع ثقب الأوزون .
وحين تنهال فلسفة الطاعة على المجتمع بمباركة سدنة المحافظة و يصبح الاحتجاج كفرا و الصدح بالشكوى فتنة و رفع لواء المعارضة زندقة و همجية و سلوك رعاع ، آنذاك نستطيع أن نتكلم على حزب لا يستحي .
وحين يحرر الحزب الأغنياء و الجشعة من كل التزام و محاسبة بدعوى عفا الله عما سلف ، وينهال على الضعاف و شرائح المجتمع بسياسات اقتصادية و اجتماعية تردي وضعه تفقيرا مؤسسا .
الحزب الذي يفخر بعرقلة الحراك هو حزب انتهازي ، أبان أن علاقته بالدين أشبه بتوبة فرعون و أموات الموت تداهمه ، و يخرج علينا و هو في كامل قواه العقلية بكل أنواع التحقير و التسفيه و الازدراء ، بل و السابقة التي لا مثيل لها في التاريخ السياسي ، التهديد و الوعيد بالسجن ضد كل محتج أو بلغة العصر ضد كل معارض افتراضي ، و ذلك بعد أن عجز عن الدفاع عن مشروعيته الاجتماعية التي أقبرها في خطابات فضفاضة لا تغني و لا تسمن من جوع ، و ضد من أهانوا المغاربة سواء بالمداويخ أو الجهلة أو الجوعى أو الخونة .
السريالية في هذا الحزب لا حد لها ، أرقى علاماتها فاتح ماي ؛ حيث يطل علينا رموز التدين السياسي في صورة حمل وديع و ذلك للاحتجاج على أنفسهم ، و ضد رغباتهم و طموحاتهم ، و كأن القدر يعاند الصورة و المعنى الذي أرادوا الدفاع عنه ، و التسويق له لمن ظل أسيرا لخطهم و خطابهم السياسي الناعم ، أو بمعنى أدق لمن انطالت عليهم خدعهم السياسية ، حملة تفصح عن " الخبث " ، الذي صدر في غفلة من زعيمهم في مهرجان خطابي " النقابات مشاو وجاو و ما داو والو ، أي ذهب النقابيون في حوارهم و لم يأتوا بجديد " ، و لعل خروج الحكومة الملتحية للتظاهر في فاتح ماي ، يتجاوز الاحتفال الطقوسي المرتبط بهذه المناسبة ، إذ هو حالة مرضية بامتياز تفصح عن عدم القدرة على بين العمل السياسي و مقتضياته ، و بين الاستمرار في خط الممانعة السياسية ، أي أن الأمر لا يستقيم بين ممارسة العمل الحكومي و العمل الاجتماعي و النقابي في الآن نفسه .
اعتداد و فخر بتعطيل كل القيم التي أرستها التجارب السابقة حتى من كان محسوبا على اليمين ووزارة الداخلية من حيث المنشأ و الهوية و البرنامج السياسي ، مهما كانت هزيلة ،و الأدهى التلويح بمعاودة الكرة إن سنحت الفرصة ثانية ، لأن من يسرق بيضة يستطيع سرقة العجل كما يقول المثل الفرنسي المعروف .
هل يمكن للتدين أن يتسامح مع الفساد ؟ إلا إذا كان هذا التدين وسيلة لتمريغ العدالة و الحق و الواجب و القانون في مستنقع التواطؤات الخفية ، مع ما سمي بالتماسيح و العفاريت و القردة و الخنازير و كل المصطلحات التحقيرية التي تم إبداعها للتغطية على الفشل ؟.
أليست التراجعات الحقوقية و الاجتماعية مؤشرات دالة على مهمة سامية انتدب فيها الحزب المتدين لأداء دور فيها و بثمن سياسي معروف ؟.
أليس هذا كافيا لنعته بأنه حزب لا يستحي ؟ .
قد يبدو أن الصورة السياسية و الاجتماعية تميل إلى التسويد ، لكن لم نعثر على الإضافة السياسية التي تستطيع تبييض الوجه و تجميله ، اللهم إلا إذا حسبنا دخول الدين إلى السياسة شيئا جديدا ، و يا له من فتح مبين .
و هاهو عدم الاستحياء يبلغ مداه في الخروج تضامنا مع القضية الفلسطينية عشية نقل السفارة من " تل أبيب " نحو القدس ، من قبل ما يسمى بالجناح الدعوي ، وهي خطة مدروسة لتسويق صورة التدين المزيف و الدفاع عن ما تبقى منه ، بغية امتصاص حجم المقاطعة الاحتجاجية في العالم الافتراضي ، و الدفاع عن صورة مهزوزة ، فالقضية الفلسطينية لم تكن في يوم من الأيام قضية بالمعنى الحقوقي و الديني ، بل كانت من أجل ممارسة السياسة في الداخل الوطني ، و تقديم أوراق الاعتماد لدى النظام السياسي و السلطة في المغرب ، و استعراض الوجه و الحجم و القيمة السياسية أمام باقي الفرقاء السياسيين منهم و الاجتماعيون .
الإشكال العويص لدى الحزب المتدين خاصة في جيش المريدين ، هو في طبيعة الولاء و ثقافة المريدين التي أصبحت الحاجة ماسة لتجاوزها و القفز عليها ، لأن المشروع السياسي تم تجاوزه و أصبح لاغيا ، بحكم التراجعات التي مست غالبية فئاته ، إلا من ظل وفيا لخط أن يبقى ميتا و هو حي .
أصبح الشك في سياسة السياسيين قاعدة يمكن تلمس ملامحها الدالة على وجود شبكة اجتماعية واسعة تتنامى وثيرة تذمرها من السياسة ، لدرجة أصبح الامتناع و الإعراض عن الساسة ، سلوكا عاديا يدرج ضمن القهر النفسي و الحكرة ، التي تطال قيمته و تقديرها ؛ إذ هو في النتيجة النهائية صوت و موضة انتخابية ، سرعان ما يتم القفز على قيمتها ، و تبخيسها الحق في الاعتراض و الاحتجاج ، و قد زاد الطينة بلة تهاوي حتى الأحزاب التي ظلت لوقت تحافظ على رمزيتها الدينية ، وشعبيتها المستمدة من الآلية الدينية .
يعني الاستحياء حدا أدنى من الأخلاق و العمل ، و إن كان البحث عن النموذج مطمحا لا غنى عنه ، و مسعى ترومه كل الشعوب و الأمم ، بل إن الرقي في الممارسة و الفعل التواصلي المرتبط به ، مدخل أساس نحو التنمية ، التي تسعى إليها كل الأمم مهما كانت درجة تنميتها ، لكن أن تتحول السياسة في عرف بلادي إلى آلية لقتل كل رغبة في تقديم الإضافة و لو كانت في مستوياتها الدنيا الصدح بالشكوى ، فذلك يعني وفقا لهذه السلبية أننا شعب لا يستحي .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب