أضيف في 6 ماي 2018 الساعة 18:42

فيروز الشاوية


المصطفى سالمي
في السهول الممتدة والمنبسطة على امتداد النظر، وحيث اللون الأخضر والماء والجمال والشجر، هنا عاش ناس (الشاوية) أجمل الحكايات وأروع الروايات، حيث الجمال والسحر والخيال.
في ثانوية المعتمد بن عباد الأدبية، كانت هي الوحيدة التي تشرئب إليها أنظار التلاميذ والمدرسين، الأخريات ربما لا ينقصهن من الجمال ما تحظى به (فيروز) من بهاء ورونق، لكنها بخلافهن كانت تتميز بجاذبية خاصة، وربما ذلك لأنها كانت تُبدي جمالها في شكل شعر منساب تداعب الريح خصلاته، وذراعين تلامسان النسيم والهواء العليل، وساقين فاتنتين تنعكس عليهما أشعة الشمس الذهبية. كانت (فيروز) أشبه بالمغناطيس الجاذب، فهي بيضاء البشرة، ناعمة الملامح، متوسطة الطول والعَرض، معتدلة في مشيتها، ناعسة النظرات، هادئة الطباع، بينما زميلاتها كنّ دائما متدثرات بالأقمشة السميكة، وعلى رؤوسهن قطع ثوب تستر بهاءهن، إنها ثمانينات القرن العشرين حيث الإقليم مازال يعيش عهود التحفظ والاحتفاظ بالتقاليد، فالنسوة مازلن يرتدين الجلباب والنقاب هنا.. كان أجمل ما في (فيروز) ابتسامتها التي تنم عن أسنان متسقة البياض، وشفتين حمراوين من غير زينة أو طلاء، وأما عيناها فكانتا كعيون المهاة، تنطبق الأجفان المخملية فتذوب القلوب في محاجرها.
كان ذاك الجيل من زمن السبعينات والثمانينات مهووسا بقراءة قصص وروايات (المنفلوطي) و (جبران خليل جبران) و(نجيب محفوظ)، وأما المسموع من المغنين وقتها فيقتصر على (أم كلثوم) و(فريد الأطرش) و(عبد الحليم حافظ) في المقام الأول، لذلك اشتعلت الحواس وتأججت روح الرومانسية الحالمة بين تلاميذ قسم الباكالوريا في سنتها النهائية بثانوية ابن عباد بمدينة (سطات)، كان هؤلاء الطلبة ـ سواء الذكور أو الإناث ـ قد جمعتهم سنوات ثلاث لأن لغتهم الأجنبية الثانية هي الإسبانية، فهم ليسوا كطلاب اللغة الثانية "إنجليزية" الذين تتعدد أقسامهم، فهم يعاد توزيعهم في نهاية الموسم الدراسي ليدرسوا بعدها مع وجوه جديدة.
كان أستاذ اللغة الإسبانية لا يكاد يخفي إعجابه بـ (فيروز)، نظراته ترقبها باستمرار، إنها الاستثناء في زمن التحفظ، ربما سبقت زمنها من حيث اللباس والتحرر وحركات الأطراف والشكل العام، فكانت تبدو استثناء في كل شيء، وكان هذا يثير غيرة وحنق زميلاتها عليها، فكانت نظراتهن تقول ما تعجز الألسن على التلفظ به، كان أستاذ الفلسفة وحده من بين باقي المدرسين ممن اتسم سلوكه اتجاه (فيروز) بالتشدد والغلظة، فقد كان مداوما على طرح أسئلته الفلسفية الغامضة المستفزة لطالبة استثنائية، وحين تعجز (فيروز) عن الإجابة، كان يردد لازمته التي لا تتخلف:
ـ لو أنه مسلسل مصري لحفظتِ حلقاته حفظا، وسردْتِ الحكاية من البداية لنقطة النهاية!
لكن (فيروز) كانت لا ترد على استفزازاته، بينما البعض فسر سلوك أستاذ (الفلسفة) بأنه إعجاب مغلف بالتوبيخ.
أما أسعد الساعات عند تلاميذ الثالثة ثانوي (باك8) فكانت حصة التربية البدنية، وقتها كانت التلميذات يتعللن بالظروف المناخية، فإن لم يكن البرد والمطر، فهي الشمس والحرارة، وحدها (الفيروز) لا تتخلف عن الحصة، كانت تبدو وهي بالبدلة الرياضية كبدر مكتمل في منتصف الشهر، بينما تتطلع أنظار الفضوليين من على سور المؤسسة ومن داخلها بين حائر وهائم، هكذا كانت الأعين وقتها ترقب في صمت وأنين.
كان الجيل الذي واكب حدث (المسيرة الخضراء) يتسم بصعوبة البوح، يكتفي فقط بصب طاقته كتابة وقراءة، لقد كان هؤلاء الطلبة يلتهمون الصفحات التهاما، جرأتهم الحقيقية والأساسية أنهم يناقشون ويستفسرون في مجال البحث والدرس، ينجزون العروض والبحوث، لكن لا أحد يجرؤ على اقتحام جماعة الإناث وقتئذ أو محادثتهن، حتى داخل الفصل كان الانعزال، صفان أو ثلاثة للذكور، وصف خاص بالإناث، لقد كن أقلية في الفصل الدراسي وقتها، وهذه التراتبية لا يكسرها إلا أسد جسور، ورغم أن مدينة (سطات) اشتهرت بفن (العيطة) كطرب شعبي يتغنى بلواعج القلوب ومكنونها، إلا أن التحفظ وقتئذ كان لغة الإقليم طولا وعرضا.
تمر الأيام والسنون، ويتفرق طلاب قسم (الباك8)بعد أن رمت بهم الأقدار نحو جامعات البلاد طولها وعرضها، وتشاء الأقدار أن يتلقى (الراضي) ـ أحد طلبة ذاك الجيل الذهبي الذين درسوا بثانوية (ابن عباد) ـ رسالة إلكترونية على الشبكة العنكبوتية للأنترنيت، تأمل صاحبنا الوجه جيدا، وقرأ الاسم بإمعان، إنها (فيروز) زمن جميل مضى وقد طوته أزيد من عقود ثلاثة، إنه البريق نفسه، والأحاسيس ذاتها التي كانت تنتابه وتنتاب دون شك جيلا من زملائه في قسم الثالثة أدبي، لقد انبعث الماضي الساحر فجأة من مرقده، لم يكن حلما ما عاشه هو وجيله طيلة سنوات تقبع خلف حاضر مادي جامد، إنها عهود من البهاء الحالم التي تشهد عليها سهول الشاوية ووادي (ابن موسى) وبساتين (ولد الباشا) وموسم (سيدي الغليمي)، لكن الزمن جرى بسرعة الضوء، والسحر لم يفقد شيئا من حُسنه وتألقه، لقد أصبحت (فيروز) أما وزوجة، واشتغلت في قطاع التعليم الحارق الضاغط على الأعصاب، وهي ستكون شاهدة على حكايات عصرها، في زمن عولمة لغته الآلة والتقنية، وليس لغة المنفلوطي وعبد الحليم حافظ، وشتان بين قوة جارفة معاصرة، وعهود حالمة مدبرة، ولكل عصر مفرداته وناسه، ولناس الشاوية ذكريات يحيطونها بسياج من القداسة والحنين والشوق الذي لا ينفذ رغم توالي الأيام والسنين.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب