أضيف في 5 ماي 2018 الساعة 20:04

غرائبية ماركيز


ناصر سالم المقرحي
غرائبية ماركيز
بقلم – ناصر سالم المقرحي
*******************
كعادته غابريل غارسيا ماركيز يفلح في خلب ألبابنا واجتذابنا إلى قصه الإستثنائي فها هو في رواية " الحب وشياطين أخرى " يأخذ بأيدينا إلى عوالمه الساحرة التي يختلط فيها الصدق بالمفتعل والأسطورة بالواقع والحقيقي بالمختلق , ها هو ينقلنا برفق من هدوئنا المعتاد إلى صخبه وأكوانه التي يفتعلها فوق الورق , كالعادة ينجح ماركيز في اختيار موضوع روايته حين يمنحه الزخم والكثافة والإحاطة ما يجعل منه موضوعا إنسانيا تماما لا يخص فقط ثقافة معينة أو ذائقة محددة ويجد فيه كل قارئ مهما كان انتماءه العرقي أو الديني أو السياسي ما يهمه ويجتذبه , إذ تضمحل كل الأنتماءات وتذوب عند القراءة ولا يظل إلا الأنتماء للإنسانية وهو انتماء باقي وأكبر من أي انتماء آخر مؤقت وهش , إلى هناك يذهب ماركيز إلى القرن الثامن عشر ليضعنا تماما في بؤرة الحدث عبر قصة طفيفة بطلتها طفلة صغيرة تسير حياتها بشكل سلس لانتماءها إلى عائلة ارستقراطية حتى تعرضها لعضة كلب في السوق العام في يوم عيد ميلادها عندما خرجت لاقتناء مستلزمات الأحتفال صحبة الخادمة السوداء , عندها تنقلب حياتها رأسا على عقب ظهور علامات داء الكلب عليها بعد فترة – أو هكذا تصور المحيطين بها – وفشل كل محاولات العلاج البدائية التي أُخضعت لها وحين يبلغ خبر اصابتها بهذا الداء أسماع أسقف الناحية واستعصاء علاجها يستدعي والدها ويفرض عليه أن يأوي ابنته بأحد الأديرة المنزوية لعلاجها من اعراض المس والتلبس الشيطاني , وهنالك ترى من المعاناة والعذاب ما لم تتوقع , وكأني بماركيز حين يغوص عميقا في تركيبة النظام الديني السائد وقتها ويتحدث عن ممارسات ممثليه وممثلاته , كأني به يدينه ويحطم سطوته ويزيل عنه هالة القداسة الزائف .
في هذه الرواية أيضا يبدو ماركيز مغرما بلعبة الفانتازيا أو الواقعية السحرية التي يجيدها حيث ينطلق من حدث أسطوري خرافي لينخرط رويدا رويدا في الواقعي المحسوس دون أن يغفل عن الأسطوري الذي يعود إليه بين الفينة والأخرى , فمن ذا الذي سيصدق إن لم يسمع هذا الكلام من ماركيز أن هنالك ضفيرة يصل طولها إلى أربعة أمتار وأنها تظل كما هي لمدة مائتي عام تقريبا والأدهى من ذلك أنها تظل تنمو طيلة هذه المدة التي رقدت فيها صاحبتها في قبرها إلى حين استخراجها من دير للراهبات حيث دُفِنت بعد بيعه بغرض هدمه وإقامة فندق خمسة نجوم في مكانه , رواية فيها من الأحداث ما يشد القارئ ويجعله منتبها لكل حركة فيها ومن الشخصيات ما يجعله منبهرا من قدرة ماركيز على نحت نماذجه الإنسانية وبث الحياة فيها وإيهام القارئ بوجودها الفعلي ونفي صفة الكائنات الورقية عنها , ويبدو ماركيز خبيرا في هذا الجانب وعلى مهارة فائقة في تأسيس الشخصيات واستجلاء دواخلها وتشريحها بدقة فما من شخصية تتكرر ولكل شخصية سلوكها الخاص وطبعها وعاداتها التي لا تتقاطع مع طبائع وعادات الآخرين , ينطبق هذا الكلام على كل رواياته لا هذه الرواية فحسب , من هنا ومن الوصف الذي استثمره ماركيز هنا كما في كل أعماله الروائية والقصصية يتشكل ذلك الزخم والقوة فيما يخص القص , والوصف لدى ماركيز عنصر هام لرسم الاجواء العامة للرواية وخلق الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات , ماركيز وبخلاف الكثير من الروائيين يدرك تماما – هذا ما تشي به أعماله – أن وصف الأمكنة والوجوه والأجساد وملابس الشخصيات وأفعالها مهمة بذات أهمية الحدث فالأحداث لا تقع خارج سياقاتها الزمنية والمكانية , ولإضفاء نوعا من الواقعية أو الإيهام بها , وهذا أقصى منال الروائي , إذ أن ذلك أحد أهم أسباب نجاح العمل الروائي والمعيار الذي تقاس به قوته .
ولأن أجمل ما في القص هو المتعة الناشئة عن تتبعه وقراءته فإن القارئ لن يغادر هذا المتن الروائي دون أن يملأ منه سلالاً كثيرة , فالمتعة تتحقق هنا ومنذ الصفحات الأولى وعنصر التشويق يبدو متاحا على الدوام ليحث القارئ على المواصلة .
الرواية وببساطة تروي حكاية الطفلة سييرفا ماريا التي كانت حياتها تسير بكل هدوء في كنف الثروة التي يمتلكها والدها الماركيز كاسالديويرو وتتنعم بها غير أن حادثا عارضا يقلب حياتها وحياة والديها رأسا على عقب , حيث ستتهاطل المشاكل التي ستنتهي بانفصال والديها وجنون أمها , وإيداعها في الدير وإخضاعها لطقوس وتعاويذ طرد الشيطان من جسدها , ذلك أن عضة الكلب التي تعرضت لها في السوق عندما ذهبت لشراء بعض المستلزمات للأحتفال بعيد ميلادها رفقة الخادمة وما تلا هذا من أحداث تراجيدية مثل افتراض إصابتها بداء الكلب المعدي وتلبس الشيطان بجسدها في ظل هيمنة كنسية غيرت نسق حياتها كلياً , وعندما تقرر إيداع الطفلة في دير سانتا كلارا لإخضاعها لطقوس طرد الشيطان يبدأ فصل آخر من فصول العذاب الذي يبدأ بالسجن الأنفرادي والعزل التام للصبية بهدف تطهيرها من المس وتشاء الصدف أن يقع في عشقها الراهب المكلف بعلاجها الروحي , الذي وجد نفسه مشتتا بين عمله كراهب ورجل دين وبين نداء قلبه الذي لا يستطيع تجاهله , الأمر الذي يمثل لها بصيص امل قبل أن ينطفئ هذا الشعاع بعد اتهام الراهب بالإلحاد ومخالفة تعاليم الكنيسة ويتم استبعاده ونفيه لتنقطع عنها اخباره وتسوء أحوالها التي تنتهي بموتها التراجيدي , فترقد لمائتي عام في قبرها إلى أن يأتي ماركيز لينفض عنها التراب وليروي قصتها بطريقته التي تمزج الواقعي باللاواقعي بل تؤسطر الواقع حتى يلتبس الأمر على المتلقي ولا يعد قادرا على التفريق بين ما هو مختلق وأسطوري وما هو قابل للتصديق , وهنا تتجلى الغرائبية التي اشتهر بها ماركيز .
هي رواية من فصيلة " أسم الوردة " لأمبرتو إيكو و " عزازيل " ليوسف زيدان و " الأخوة الاعداء " لكازنتزاكي لناحية أنها تغوص قصيا وتتوغل عميقا في نظام الكنيسة من خلال شخوص الأسقف , والرهبان والطقوس وتصوير الأديرة ولربما كانت هذه الرواية كما الروايات السابقة لها التي تناولت موضوع الكنيسة ما لها وما عليها سببا في فصل الدين على الدولة وتحجيم دور الكنيسة في الحياة العامة في الدول الغربية والدول والدائرة في فلكها .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا