أضيف في 30 أبريل 2018 الساعة 20:02

لحظة مفصلية في التحرر الوطني للمغرب


عبد الإله بلقزيز

قطع المغرب الحديث شوط الانتقال الصعب من معاهدة «الحماية» الفرنسيّة، التي فُرِضت عليه (مارس/آذار 1912) إلى المطالبة، رسميّاً، باستقلاله (11 يناير/كانون الثاني 1944) في زمنٍ قياسيّ (أقلّ من ربع قرن) بمعايير أزمنة الاحتلال الاستعماري، وتجارب الحركات الوطنيّة في المستعمرات. نظريّاً، لم تُسْقِط معاهدة «الحماية» السيادة المغربيّة؛ بل اعترفت بها مبرِّرةً «الحماية» بالحاجة إلى إنجاز إصلاحات في البلاد تخرُج بها من حال الفوضى الأمنيّة -الضاربة أطناباً في مناطق «السِّيبة» الخارجة عن سلطان الدولة- ومن حال التردّي الاقتصاديّ والاجتماعيّ، التي استفحلت منذ نهايات القرن التاسع عشر. أمّا عمليّاً فلم تُبْقِ السلطاتُ الاستعماريّة للبلاد مِن سيادةٍ منذ خضعت لحكم المقيم العامّ الجنرال ليوتي، فقد كانت هي مَن يدير البلاد ويتحكّم في ثرواتها، فيما وزراء المخزن يتقلّدون مناصب لا يَقْوَون على ممارسة مسؤوليّاتها. ولقد ذهب فعْل الانتهاك الاستعماري الفرنسيّ للسيادة المغربيّة حدَّ النَّيْل من رمزها الملك محمّد الخامس، الذي نزعه الاحتلال عن عرشه، في أغسطس/آب 1953، ونفاهُ- وأسرتُه -إلى جزيرة مدغشقر، ونصَّب ملكاً دُمْيةً هو محمّد بن عرفة بديلاً منه!
وبين المعاهدة وعريضة المطالبة بالاستقلال، شهد المغرب على ضروب مختلفة من المقاومة المسلّحة، والمقاومة السياسيّة والشعبيّة، التي هزّت اطمئنان الاحتلال إلى قوّته، وأحدثت سيْلاً هائلاً من التناقضات في صفوف جيشه ومستوطنيه كان منها، مثلاً، التغييرُ المستمرّ لطواقم الإقامة العامّة (سلطة الاحتلال المنتَدَبة من الدولة الفرنسيّة)، وتراجُع نسبة الاستيطان. لم تتوقف حركة المقاومة المسلَّحة في الجبال والأرياف إلاّ في العام 1934، بعد أن سجَّلت فصولاً من البطولة في الريف والأطلس أرهقت الاحتلال واستنزفت قواه، وقضت على الآلاف من جنوده (فَقَدَ الاحتلال الإسباني للشمال المغربي حوالي13 ألف جنديّ في معركة «أنوال»، في صيف 1921، في مواجهة مقاتلي الثورة الريفية بقيادة محمد بن عبدالكريم الخطّابي). وهي لم تتوقف إلاّ بعد أن تحالف الاستعماران الفرنسيّ والإسبانيّ؛ لإخماد الثورة المسلّحة.
وما لبثت المقاومة السياسيّة أنِ انطلقت، في مطالع عقد الثلاثينات من القرن العشرين، غداة إقدام السياسة الاستعماريّة على محاولة تقسيم الشعب والبلاد، من طريق استصدارها «الظهير البربريّ»؛ الذي تغيّا التمييز في الأحكام بين العرب والبربر من الشعب الواحد مقدّمةً للفصل بينهما. ولقد أتتِ التظاهرات العارمة ضدّ السياسات التقسيميّة الاستعماريّة توفّر الحامل الاجتماعيَّ للحركة الوطنيّة التي ستنشأ، في تلك الأعقاب؛ لينتقل مركز ثقلها السياسيّ والتنظيميّ سريعاً من مراكزها الأولى (مدن: فاس، الرباط، سلا، مراكش، الدار البيضاء، ومكناس...) إلى حيث تعمُّ مدن المغرب وأريافه كافة، سنوات الثلاثينات، ومطالع الأربعينات، أي عشيّة إعلان عريضة المطالبة بالاستقلال.
والحقّ أنّ الإعلان عن عريضة المطالبة بالاستقلال الوطنيّ، الموقّعة من طرف عشرات الرموز الوطنيّة الحزبيّة والمستقلّة، والمدعومة من الملك الراحل محمّد الخامس، إنما هو ثمرة لذلك المسلسل من الكفاحات السياسيّة والمسلّحة التي خاضها الشعب منذ اغتُصِب استقلالُه السياسيّ وعُطِّلت سيادتُه الوطنيّة بفعل المعاهدة الاستعماريّة الفرنسيّة، وتسليم الاحتلال الفرنسيّ مناطق الشمال المغربيّ للاحتلال الإسبانيّ. ومع ذلك، لا يمكن أن يتبيّن وجهُ الانعطاف الذي انطوت عليه عريضة 11 يناير 1944 إلاّ بالعودة إلى ما قبل مطلب الاستقلال الوطنيّ، أي إلى الفترة التي دار فيها العمل الوطني على مطالب إصلاحيّة تحت سقف الاحتلال، ومن أجل تصويب سياساته الخرقاء.
قبل سنوات عشرٍ من وثيقة 11 يناير، وبأثرٍ من صدمةِ انتكاسة الثورة المسلّحة - ولكن أيضًا بأثرٍ إيجابيّ من النهوض الجماهيريّ العارم في جبْه «الظهير البربريّ» والسياسات التقسيميَّة - طرحتِ الحركة الوطنيّة برنامجاً للإصلاحات بين العاميْن 1934 - 1936 («دفتر مطالب الشعب المغربيّ») تغيَّت منه، في المقام الأوّل، حمْلَ الإدارة الاستعماريّة على الوفاء بالتزاماتها المثبَتَة في معاهدة «الحماية»، وفي القلب منها احترام السيادة المغربيّة. ومع أنّ سياساتها الإصلاحيّة جوبِهت بالتجاهُل الفرنسيّ؛ بل بغطرسة تبدَّت في حمْلات قمعٍ هوجاء لقادة الحركة الوطنيّة وأطرها، خلال العامين 1936-1937، وفي جملتها نفي بعض قادتها المؤّسسين (علال الفاسي، محمد بلحسن الوزّاني)، إلاّ أنها لم تبارح السياسة تلك، ولم تُحْدِث النَّقْلةَ البرنامجيَّة من الإصلاح إلى الاستقلال إلاّ حين اجتمعَتْ لها الأسبابُ الحاملةُ على ذلك. ويمكن أن نسوق، في إسراعٍ، أهمَّها، أوّلها تبيُّن الحدود المتواضعة لسياسات المطالبات الإصلاحيّة التي لم تفتح أيَّ أفق أمام حماية المصالح وصون المصير الوطنيّ، وثانيها الإنزال العسكريّ الأمريكيّ في المغرب (في الدار البيضاء والمهدية - القنيطرة) وما عناه من بداية الانقلاب في توازن القوى بين الحلفاء ودول المحور، وداخل الحلفاء أنفسهم، وثالثها الحقوق المستحقّة للمغرب في استقلاله؛ نظراً لمشاركة الآلافٍ من أبنائه في القتال مع الحلفاء ضدّ الجيوش النازيّة، أمّا رابعها-ولعلّه أهمُّها-التحالف الذي نُسِج بين الحركة الوطنيّة والمؤسّسة الملكيّة على قاعدة العمل المشترك؛ من أجل نيْل الاستقلال الوطنيّ.
هكذا أتت عريضة المطالبة بالاستقلال الوطنيّ تتوّج مساراً كاملاً من التحوّلات العاصفة، التي آذَنَ بها مطلع عقد الأربعينات، لتُنْضِج وضعاً سياسيّاً جديداً قاد البلاد والحركة الوطنيّة نحو محطّةِ الاستقلال الوطنيّ وإنْ بكُلفة كبيرة: القمع الوحشيّ لقوى الاحتلال، نفي الملك محمّد الخامس والأسرة الملكيّة، قوافل شهداء المقاومة وجيش التحرير بين العاميْن 1953 و1955... إلخ؛ ولكنها الكلفةُ التي لم يكن من الممكن انتزاع الاستقلال الوطنيّ من بين مخالب الاحتلال من دون تقديمها.

[email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب