أضيف في 29 أبريل 2018 الساعة 19:59

ارتجاجات


المصطفى سالمي
جلس السيد (الراضي) على حافة وادي أم الربيع يرقب جمال الطبيعة الخلابة وهي جاثية أمام قصبة (بولعوان) التاريخية، كانت الأخيرة تبدو كالأسد المهيب الذي شاخ وما عاد يستطيع الوقوف أو التحرك والشموخ كسابق العهود، لكن الطبيعة استمرت وادعة خلابة كعهدها الأبدي، بينما الماء ينساب هادئا صافيا، وسمكات صغيرة تتحرك برشاقة باتجاه أحجار الوادي التي تتراص على حافة النهر العظيم، في حين أن اللون الأخضر مازال يهيمن على المشهد رغم دفء حرارة أواخر شهر أبريل. كان السيد (الراضي) قد انتهى للتو من جولة بين القلاع التاريخية الحصينة لقصبة أشبه بالمدينة، هنا مسجد وهنا حمام وهناك سوق، لقد كانت القلعة عامرة بأهلها وبنيها وخيولها وحيوانها منذ سنوات يمكن عدّها بالمئات، لكن الزمن دار دورته الرهيبة، وفجأة ساد الهدوء، وغيبت الغياهب ماضيا كان حافلا بالأمجاد والانتصارات والفتوحات، ولو أن آلة زمن عجيبة أعادت الساعة لعقاربها البعيدة لَبَدَا المشهد غير ما هو الآن من هذا الهدوء المريب الرهيب، وتمثل (الراضي) نفسه بين أهل ذاك العصر الغابر بأحصنتهم المزينة المزركشة عليها الفرسان مدججون بالنبال والفرسان وهم يصيحون في جموع أعوانهم:
ـ يا حامد!، يا إسماعيل!، و يا منصور! خذوا الرجال الأشداء ليحرسوا حصون القلعة من الأعلى.
بينما كان آخرون يقدمون العلف للخيل استعدادا لغزوة جديدة، والنسوة بملابسهن الوقورة المحتشمة يطبخن الأكل للرجال الفاتحين، والجلبة والصخب يعمان المكان، وقائد الجند يتأكد من أن المطامير قد ملئت بالمؤونة استعدادا للأسوأ، والأحصنة تنزل ـ متبخترة ـ نحو وادي أم الربيع حيث يتم سقيها حتى ترتوي قبل الانطلاق نحو مناطق الساحل ونحو الجنوب المغربي..
استفاق السيد (الراضي) على وقع صوت صديقه ومرافقه في هذه الرحلة الأستاذ (رضوان) وهو يناديه ليعيده إلى حاضر هادئ لا يُسمَعُ فيه غير صوت العصافير وخرير ماء منساب في سكينة وادعة. كان الأستاذ (رضوان) قد ركن السيارة في مكان قريب، بينما كانت القِدر ـ التي أعدها الصديقان في أجواء هذه الطبيعة الخلابة ـ تتصاعد رائحتها الشهية، وفي الجانب الآخر كان الصغيران (مروان) و (هاجر) يلاحقان الأسماك الصغيرة في أطراف الوادي في محاولة يائسة لاصطياد بعضها..
تساءل (الراضي) مع نفسه: (ما أشد قسوتك أيها الزمن الرهيب! أيها القَدَرُ البطّاش شديد الوطأة! عصور وأحقاب من المجد الغابر طُويت ومسحها الوجود كأن لم تكن، ولربما تمر مئات سنين أخرى ويأتي أقوام ليتحدثوا عن سكان مروا من هنا وعبروا، فيكون سمر هؤلاء الجدد حديث عن أقاليم (دكالة) و(الشاوية)، عن (سيدي بنور) و(سطات)، وأن مدنا كانت عامرة بأهلها في مستهل القرن الواحد والعشرين، لكن لم يتبق منهم إلا أطلال وبقايا بعد أن جاء أقوام جدد فغيروا وبدلوا..)
سُمِعَ فجأة صوت سيارة أخرى، ونزل ناس آخرون بثوا حياة جديدة في المكان، وقفز صغار آخرون في مياه الوادي يستحمون، ليملأوا هذه البقعة صخبا. تمنى السيد (الراضي) لو تتحسن البنية التحتية هنا من شوارع وطرق، مع بناء فنادق في هذا الفضاء المتمدد الشاسع، ولو تم ترميم أسوار القصبة التي تعبث بها عوامل المناخ وتعاقب الليل والنهار، فلربما استعاد المكان صخبه، على الأقل أن لا يعم صمت القبور الرهيب المكان، أما أن يعود التاريخ نحو الوراء فذاك حلم بعيد المنال يكفي أن يستعيده (الراضي) بالخيال وحده، وأن تتحدث كتب التاريخ عن حقب وعصور طواها المجهول الغامض الذي لا يرحم، حتى الطبيعة بجمالها وعنفوانها تجثو أمامه طيّعة لينة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب