أضيف في 25 أبريل 2018 الساعة 09:26

بين الذوق و القيم


رشيد اليملولي
بين الذوق و القيم .
صورة جماعية لشباب جامعي في كلية الحقوق بمكناس ، يغنون و يحتفلون بمعنى الحياة أو معنى اللهو أو أي قيمة تنسجم مع تصورهم و أفكارهم و ذوقهم ، قد يكون الأمر ترفيها فيه من الحرية و الحق و الرغبة ، و كل معاني القيم الليبرالية ، لكن الصورة في بلاغتها العميقة أكبر من حديث عن الذوق و الثقافة الفنية المرافقة ،إذ هي إخلال بمعنى رمزي و مادي بالمجال ، الذي و إن كان مبنيا على حرية الاقتناع و ممارسة هذا الحق ، فإنه تعدي سافر على المنظومة الجامعية أو بلغة أكثر دقة الحرم الجامعي ، في بعده المعرفي و الفلسفي و الرمزي ، و الأفق الذي يحكم منطقه الداخلي .
الجامعة مجال للمعرفة ، و تصارع الأفكار و بناء التصورات و الأفكار الداعمة لبناء الدولة و إطارها الحقوقي و السياسي المقوي بالضرورة لوجودها ، إنها بلغة واضحة الحياض الذي يؤطر رجل الدولة ، وحاميها ، ورجل الاقتصاد صانع ثروتها ، إنها بمعنى من المعاني مجال العدالة و المساواة ، وبناء القيم الاجتماعية المدعومة بالحق الفلسفي و الحقوقي ، هكذا عهدنا الجامعة ، رمز يعلو على الأمكنة بعمقه و روحه ، إنها قداسة تمشي على الأرض .
أن تتحول في المقابل إلى مرتع لتسويق النزوات الذاتية تحت مبرر الحق في الترفيه ، و الحق في تحويل المجال إلى نزوة عابرة ، ذلك ما يوحي بأن النموذج التنموي في شقه البشري ، أضحى عائقا بالمعنى الابستمولوجي ، و حائلا نحو التنمية المستدامة المراد تحقيقها ، بل و أصبح هذا النموذج ـ القدوة خارج كل المعايير، و بعيدا عن أي تصنيف يبتغي الغد ، إذ هو طفيلي يقتات على موضة الحرية في شتى تجلياتها ، نوع بشري يخضع كل القيم لنزواته ، حتى تتحول المعرفة إلى سلعة ، و كرسي الجلوس للعلم إلى وسيلة لتقاسم أنواع الوضعيات الجسدية و إبداء الإعجاب بها بالحركات المعهودة في شباب اليوم ن بشكل قد تعني هذه الصورة " قطيعا " يهتز لأي نبرة مهما كانت بسيطة ، و يرقص لكل الأنغام مخافة أن تحاسبه أعضاءه على تضييع حقها في الغنيمة الفنية ، أو تتنكر له الذاكرة حين لا يدون صورته في معلمة التاريخ الحالي " السيلفي" .
المفارقة في هذا السياق استباحة الحرم الجامعي و اختراق منظومته المعرفية ، بدافع الرغبة في تحويله إلى مجال عام تمارس فيه كل الأذواق التي تتباين أنساق مرجعياتها ، و لا حاجة للتذكير أن الشارع " كثقافة " بعيد أن يجد له موطئ قدم في الجامعة ، و تأبى الأيادي الخفية إلا أن تلطخ المعرفة بوهم السوق على حد تعبير فرنسيس بيكون ، لسبب وجيه هو تحويل الجامعة لسوق تباح فيه كل أنواع المزايدات التي عبر عنها الفنان عبد الوهاب الدكالي خير تعبير في أغنيته الشهيرة سوق البشرية .
التعبير عن تقاسم " نغم " معين هو حق و تعبير عن ذوق ، و هو في كل هذا و ذاك " حرية " فردية ، لا يمكن إسقاطها على جميع الأمكنة ، التي لها حرمتها و إن استبيحت مجالاتها ، لأن من شأن هذا السياسة المقصودة إفراغ المعرفة من أي محتوى رمزي ، و تسويق و تتجير كل الأفكار المرتبطة بها.
الرسالة التي تكتسي دلالة موحية في هذا السياق ، هو أن الفرد و السلطة معا نجحا إلى حد كبير في إقبار الفرد و الدولة معا ، أي أن الخاسر الأكبر في كل هذه المتأتية من الحريات التي لا سقف لها و لا حدود خاصة في المجالات المتعلقة بالمعرفة ، هو الدولة التي أصبحت رهن أفق قلق من النوعية التي قد تقود المشعل ، و تسير به نحو الغياهب ، وربما يتحول دم الشهداء من أجل الاستقلال و من أجل المعرفة و الديمقراطية و التنمية ، ربما يتحول إلى مجرد قطرة نبيذ ترتشف في لحظة نزوة يباع فيها الوطن ، و تباع فيها المروءة و الشهامة التي يبدو أن لا معنى لها في ظل موضة البحث عن أغنية تحقق " البوز " ، و تستطيع أن تحقق أرقاما خيالية في سلم مواقع التواصل الاجتماعي ، و يهلل لها دعاة التطبيل من أشباه باعة الكلمة و الوهم باسم الصحافة ، و الكلمة الحرة .
العيب ليس في الأغنية و صاحبها ، و لكن في الكتلة التي تمثلتها فارسا يغزو كل الأمكنة بسيفه المغوار ، معلنا تحرير الإنسان و إدخاله عالم الحرية التي لا حدود لها و لا قيود ، تغزو تسلب تجتاح كل الأخيلة علها تظفر بوطن موعود لعبيد النزوة و عشاق الركل و الرفس و الحق في الجريمة بشتى أنواعها و مظاهرها و أساليبها ، أمام مرأى و مسمع خط الممانعة ، الذي يرفض إدخال الجامعة للديانة الجديدة ، وللموجة الفنية القادمة .
لقد أصبحت الدولة و الفاعل بمختلف أطيافه متواطئا حتى الثمالة في إفراغ الجامعة من أي محتوى سياسي أو ثقافي أو معرفي ، من خلال دعمه الخفي و أحيانا المعلن لنموذج تنموي بشري همه البحث عن اللحظة ، و العمق الغريزي الذي يدفعها نحو غدها المنشود هذا ، غد الفتات باسم الحرية و العصرنة و الحرية ، و الأدهى صناعة وهم القدوة و أبطال توجيه الرأي العام الذين يرقصون لغد أفضل ، ذلك ما يعني أننا إزاء دولة ترى في الذوق ملاذها الأخير و مبررها الوحيد للوجود بالضرورة ، و ترى في القيم العلمية و الأخلاقية مقياسا للمشاكسة و الضجيج و إثارة الفتنة .
إنه زمن الرهز و الرقص و الهز و القبلة و النهد و الخصر ، و الكرة ، و مسابقات الطبخ و جزيرة الكنز ، و ليس زمن الفكر و العلم و الفن و صراع الأفكار وتأسيس الاختلاف : الكل يخدم ثقافة الرعية و القطيع .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب