أضيف في 22 أبريل 2018 الساعة 14:49

من طرائف الأستاذة (نبيلة)


المصطفى سالمي
أحست المدرِّسة "نبيلة" بأن بدايات شهر أبريل تحمل معها بوادر تغير في سلوك تلاميذها ،وخاصة تلميذاتها من قسم الثانية إعدادي، إنهن يشكلن أغلبية عددية في هذا المستوى مقارنة بالذكور، وهن المُعوّلُ عليهن لإثارة الحماسة في الفصل، وإظهار الاهتمام والجدية وإنجاز التمارين، لكن أداءهن تراجع فجأة بشكل ملحوظ، فدبيب الدفء والحرارة في المناخ انعكس برودا في العطاء والتفاعل، بينما اشتعل الصخب والإهمال واللامبالاة، وهذا أصبح أمرا ملحوظا في ساحة المؤسسة وبين جدران الفصل الدراسي، وكان الأمر أشد وطأة على الأستاذة "نبيلة" التي تُدرِّس مادة حارقة لأعصاب المدرسين، إنها اللغة الفرنسية التي يأتي إليها التلاميذ من السلك الابتدائي بمستوى هزيل جدا، خاصة وأغلبهم ينحدرون من الروافد النائية، ليختلطوا بقلة محظوظة درست بالسلك الخصوصي، وهنا تكبر الفوارق في هذه المؤسسة على جميع الأصعدة، وخاصة الفوارق الدراسية والفوارق في اللباس..
(حنان) و(سلوى) و(سميرة) و(فاتن) صديقات وزميلات في آن واحد، إنهن يشكلن تكتلا وجماعة خاصة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هن محظوظات لأن ظروفهن أحسن من زميلاتهن اللواتي يأتين من المناطق النائية عبر وسائل النقل التي تندرج ضمن مُسمّى: (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، ولكن توفر كل السبل لهن للتفوق عوض أن تكون دافعا لهن للتميز فهي لم تشفع لهن لكي يختلفن كثيرا في العطاء عن باقي زميلاتهن من ذوات الظروف المادية الصعبة المرهقة، فقد أصبحن مشغولات أكثر ـ هذه الأيام ـ بهواتفهن الذكية، يتبادلن الصور والأشرطة والقطع الموسيقية ـ التي انتشر صيت بعضها كالنار في الهشيم ـ ويتبادلن حوارات لا تنتهي وطرائف ونكتا متجددة.. وها هي بدايات شهر أبريل جعلتهن يرتمين في أحضان الصخب المجنون الذي لا تحده حدود ولا توقفه إلا العطلة الصيفية الكبرى.
جلست الأستاذة (نبيلة) على مكتبها مرهقة من الاكتظاظ في الفصل، ومن الحر الشديد ومن الأصوات العالية بين جدران مؤسسة صغيرة تتكاثف فيها الأصوات وتتردد فيها كالصدى الذي يتكرر ولا يتوقف، وشرعت في حصتها المعتادة وقد بدأ الهدوء تدريجيا يعم الأجواء، فجأة سُمعت رنات موسيقية خافتة في الصف الثاني، ركزت (نبيلة) أنظارها جيدا، لقد التمع ضوء وانطفأ، أدركت وقتها المدرّسة الفاعل، فنادت بصوت هامس على تلميذتها (حنان)، لكن الأخيرة تجاهلت النداء واحتمت بالصمت المطبق، تكرر نداء المدرسة مُرفقا بأمر صريح هذه المرة بإحضار الهاتف الجوال، وعلى الفور أنكرت (حنان) أن بحوزتها ما تدعيه الأستاذة. أوقفت المُدرّسة الحصة وكررت بصوت حازم الأمر مقترنا بأنها ستكف عن عقاب أو تأنيب تلميذتها إن اعترفت بخطئها واعتذرت عنه أمام الملأ. ازداد إصرار (حنان) على الإنكار بكل التصميم والحزم المضاعفين، عندها أمرت (نبيلة) مسؤولة القسم بالتوجه نحو الحارس العام طلبا لحضوره، وانطلقت الأخيرة نحو الإدارة لا تلوي على شيء كأنما تستعجل تتمة شريط سينمائي، وهنا اقتحمت التلميذة (سلوى) المشهد في محاولة يائسة ـ على ما يبدو ـ للتغطية على سلوك (حنان) زاعمة أن الرنة هي من هاتفها القديم الذي نسيته في حقيبتها مفتوحا، وتقدمت للمكتب لتضع عليه صنفا متقادما من الهواتف التي أصبحت موشكة على الانقراض، أدركت المدرّسة (نبيلة) وقتها حجم اللعبة القذرة التي تمارسها البنات للتغطية على بعضهن...!
حضر السيد (الضاوي) في هيئته المرعبة الرهيبة، واستمع من المُدرّسة للقصة مختصرة موجزة، عندها أعلن أنه سيعفو عن الجانية التي عطلت الدرس بشرط اعترافها واعتذارها، وأردف ذلك بقسم جازم بهذا العفو، لكن عناد (حنان) استمر في إصرار وجحود، بل كان إصرارا عجيبا مصاحبا بدموع حارة سخية شككت المُدرّسة (نبيلة) ـ لوهلة ـ في نفسها وقدراتها التي راكمتها لسنوات في الملاحظة واستنتاج الجاني بدقة متناهية، لكنها استرجعت ثقتها بنفسها سريعا متسلحة بكل ماضيها مع شقاوة تلاميذ وتلميذات أشد مكرا ودهاء، عندها أصدر السيد (الضاوي) أمره للمسؤولة ونائبتها بتفتيش (حنان) وصاحباتها تفتيشا دقيقا، كانت حروف كلمة "دقيقا" تخرج من فم السيد الحارس العام مضغوطة ممطوطة واضحة المعالم، وهنا ودون مقدمات أو تردد أو سابق إنذار أصدرت (حنان) صرخة مكتومة بأنها ستعترف بكل شيء، ثم أخرجت الهاتف الذكي من مكان خفي في جسدها ما كان لأحد أن يعثر عليه بسهولة، وربما فشلت في تركه وديعة عند زميلاتها أمام النظرات المركزة للأستاذة التي لم تبعد عنها عينيها ولو لهنيهات. وأمام ذهول الجميع، تحول بكاء الإنكار إلى بكاء التوسل والرجاء، لكن نبرة جديدة ظهرت للتو في سلوك (الضاوي)، إنه ولو كان من نوع الحراس العامين المتسامحين، لكن محاولة التلاعب به ـ وهو الذي اشتعل رأسه شيبا ـ جعل الدنيا تبدو للحظة مسودة في ناظريه، فتلبسته روح عناد جامحة لمعاقبة الجانية وتأديبها على تعطيل الحصة والاستمرار في الإنكار العبثي، فطالب التلميذة المذنبة بأن ترافقه لمكتب الحراسة العامة للقيام بالإجراءات الزجرية اللازمة، عندها لم تتحكم الصديقات: (سلوى) و(سميرة) و(فاتن) في أنفسهن وكأنهما تفاهمن بلغة الإشارة لينطلقن نحو مكتب الحراسة العامة حتى قبل الاستئذان من الأستاذة في محاولة يائسة للتوسل للحارس العام ليغفر زلة صديقتهن العزيزة..
بقيت المُدرّسة (نبيلة) مشدوهة من تداعيات المشهد، وما هي إلا لحظات حتى عادت الصديقات الثلاث باكيات، وقبل أن يتلقين توبيخ الأستاذة على كل ما جرى ـ من تستر على (حنان) وخروج في أثر الحارس العام دون استئذان ـ أسرعن لعناق المُدرّسة ملتمسات العفو عن صديقتهن المفضلة، وقبل أن تستفيق (نبيلة) من هول ما ترى من بكاء وعويل، أردفن أن الحارس العام أخبرهن أن يهيئن أنفسهن والأخريات لتوديع صديقتهن (حنان)، فهذه آخر حصة لها في المدرسة قبل الفصل النهائي.
لقد كان السيد (الضاوي) يريد فقط تأديب التلميذة المذنبة، ولم يكن يقصد ما صدر منه من فصل لها من الدراسة، ولم يكن بمقدوره اتخاذ مثل هذا القرار من الأصل.
مرت الحصة الدراسية كئيبة مكهربة، جلست ـ في دقائقها الأخيرة ـ الأستاذة (نبيلة) تفكر في تفاصيل ما حدث، وهل كان من الأجدى والأَوْلى غض البصر من البداية عما وقع، أم أن كل هذا الذي جرى سيعقبه خير كثير، وأمام سيل التوسل والاستجداء أعلنت أستاذة الفرنسية أنها قررت العفو عن (حنان) بشرط أن لا يتكرر مثل هذا السلوك. تعالت تصفيقات وهتافات الجميع المؤيدة والمباركة للقرار، واقترن ذلك برنين جرس انتهاء الحصة، لقد تحولت هاته الساعة إلى درس في السلوك والتربية، بدل درس التصريف المعتاد والثقيل على أعصاب هؤلاء المتعلمين في زمن ملتهب الأبعاد والامتدادات...!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب