أضيف في 21 أبريل 2018 الساعة 18:54

نكبة تدريس الفلسفة العربية والاسلامية


نورالدين البودلالي
سأحاول طرح المسألة بشكل بسيط:
بسبق إصرار وترصد
درست بقسم الباكالوريا خلال الموسمين الدراسيين 1976-1977 و1977-1978 للسبب البسيط كوني كررت السنة. درّسني وزملائي أستاذين مختلفين مادة. كلاهما اكتفيا بالشق المتعلق بدروس الفلسفة الغربية ولم يقتربا من دروس الفلسفة العربية والإسلامية. تلك كانت الصيحة، ربما في إطار الصراع السياسي والنقابي بين الشغيلة والدولة، باعتبار أن هذه الأخيرة تعادي الفلسفة وتعز الفكر الإسلامي.
مقرر المادة الذي درسنا به آنذاك والمسمى دروس الفلسفة والتفكير الاسلامي الذي ألفه كل من محمد عابد الجابري وأحمد السطاتي والعمري، والذي كني بالكتاب الاصفر ربما تشبيها له بالكتاب الأحمر لماو، كان قد صدر نهاية 1969، أي بعد أحداث 1965 التلاميذية التي شارك واعتقل فيها الجابري الشاب. هذا المقرر تم تعويضه، بداية الثمانينات، بآخر جديد أجبر معه أساتذة المادة على تدريس شقي الفلسفة: العربي الاسلامي والغربي؛ في المراحل اللاحقة ستعرق تطورات ديداكتيكية على الدرس الفلسفي لكنها، وكل ما سبقها من مقررات، ذات مرجعية ثابتة هي النموذج الفرنسي.
التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس سنة 1978، شعبة الفلسفة. لم يقدم القسم خلال سلكه الأول (السنة الأولى والسنة الثانية) أي درس في الفلسفة العربية الإسلامية، بل اكتفت الشعبة بدروس في الفلسفة العامة الغربية وفلاسفتها، ودروس في علم النفس ولم الاجتماع وما يلحق بهما، ولا تقدم دروسا في الأولى إلا حين تخصص الطلبة في الفلسفة في السلك الثاني. لا أعلم ما كان عليه الحال بجامعة محمد الخامس، لكني لا أستطيع تصور واقع غير ذلك
أرقام حزينة
عشر سنوات دُرس فيها مقرر الجابري كمقرر وحيد للأستاذ والتلميذ، أولى الأساتذة عناية خاصة بالشق الأول وأهملوا الثاني بوعي وإصرار. بعملية حسابية بسيطة سيدرس كل أستاذ هذه المادة زهاء 900 تلميذ، إذا ما افترضنا أن كل أستاذ يدرس ثلاثة أقسام في السنة كل واحد منهم يضم ثلاثين تلميذا حينها. سيتضاعف هذا الرقم بنسبة عالية جدا إذا ضبط عدد أساتذة هذه المرحلة المنتصرين للفلسفة الغربية بمستوى الباكالوريا.
الدراسة في الجامعة خلال السلك الأول تكون في الغالب بالمدرجات، وأن يتجاوز عدد الطلاب بها 500 طالب، فكم سيكون عدد المحرومين من الفلسفة العربية والاسلامية قبل وبعد هذه السنة (1978)؟

السؤال الآن: ألا يكون لهذه المذبحة الفكرية أثر على الفرد المغربي المتعلم؟ ألا تعتقدون أن من نتائج هذا الانهيار الكلي نحو الفلسفة الغربية أن نكتسب ثقافة انسانية مبتورة الجانب، ولنقل عرجاء؟ مثلا أن يكرر عدد من الشباب: «آش اعطانا هذا الفكر الاسلامي»؟
أقدم إليكم مقتطفات من تدوينة مهتم فيسبوكي (وأعتقد أن المواقع التواصلية أكثر ما يشعرنا بخطر بعض الظواهر) بالفكر الفلسفي، أعتقده مجازا، دون أن أعلق: «انا أوردت الجامعي [أعتقد أنه يشير للصحفي المشهور] كإضافة باعتباره ذا نزعة فلسفية محضة... أما الاستاذ الذي اشرت إليه (يقصد محمد عابد الجابري) في تعليقك كان أيضا من المثقفين الذين تخلّوا عن الفلسفة كفكر كعلم تنبثق منه جميع العلوم واكتفى بالتنظير...».
هذه رؤية عدد كبير من المتطلعين على الفكر العربي والإسلامي قديما وحديثا، ثمة نوع من التبخيس، إذا صح القول. ألا يمكن افتراض أن ما حدث ويحدث على مستوى إشاعة الفكر الإنساني العربي-الإسلامي، والذي ساهم فيه أساتذة المادة بالثانويات والجامعات، قد كان له أثر على الشارع المتعلم، وتم سلخه بكل وعي عن ذاتيته، عن كينونته؟ لحظة الوعي التي تجعل المثقف المغربي، وليس محب الحكمة وحده، يفصل بين خصوصيات الشخصية المغربية، في تاريخها واجتماعها وحتى نفسيته، لم تتبلور بعد كلحظة جوهرية لديه، لدى سيظل لوقت حاملا لمديته الناحرة لشخصيته أولا، ولفكره العربي والإسلامي (كمقوم من مقومات شخصيته) ثانيا: لا دخل للدولة في هذه النكبة الجديدة، فالمثقفون أبطالها!

[email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب