أضيف في 20 أبريل 2018 الساعة 20:21

بهجة القراءة


ناصر سالم المقرحي
بهجة القراءة
قليلة هي الأعمال الأدبية سواء كانت رواية أو قصة أو شعر التي أقرأها لمرتين , وهذه الرواية التي سنتحدث عنها اليوم إحدى الروايات التي قرأتها لمرتين , ليس لأنها تحتوي على عدد قليل من الصفحات يؤهلها لأن تكون قصة طويلة " نوفيللا " وليس رواية بالمعنى الحرفي لهذه التسمية , إذ أن عدد صفحاتها لا يتجاوز سبعة وستون , ليس لأن عدد صفحاتها قليل قرأتها للمرة الثانية بل لاتها مشوقة ومُحكمة السبك وذات قوام روائي متماسك ورشيق ومكثف غني بالتفاصيل بأحداثه الغير تقليدية , والأهم من ذلك هو احتفاءها بالمكان من خلال تصويره مزدهراً قبل أن يصبح بلقعا خلاء تعشعش في زواياه الوحشة .
رواية ما أن تشرع في قراءتها حتى يصبح من الصعب عليك تركها من يدك وقد تأتي عليها في جلسة واحدة – كما حدث معي – كأي شيء لذيذ لا يحتمل التأجيل , إنها رواية " الحوت " للروائي الفرنسي لوكليزيو الحاصل على نوبل عام 2008 م .
تبدأ الرواية باسترجاع البطل لذكريات الطفولة حيث عاش سنوات من عمره في ذلك المحيط الذي أخذ يصفه بلغة ملئ بالشجن والحنين , رغم أن المكان كان عبارة عن مرفأ يتحول احيانا إلى مجزرة كبيرة للحيتان يتلون معها البحر بالأحمر القاني لون الدماء المسفوحة , والسرد هنا متحقق ولا يفعل الروائي الذي عاد إلى المكان كبيرا إلا أن يستعيد بعض تفاصيله المهمة بلغة نقية وصافية وطافحة بشعرية غامرة يفرضها المكان قبل كل شيء والروائي بسرده للماضي المزدهر للمكان لا يني يُذكِّر بحاضره كخلاء موحش كأن لم تطأه قدما إنسان قط , أيضا السرد هنا يراوح ما بين الماضي والحاضر ولا يستقر على أي منهما فقد يبدأ من الحاضر لينتهي في الماضي أو يبدأ من الماضي لينتهي في الحاضر وهكذا حتى نهاية الرواية التي ضٌغِطت أحداثها وشخصياتها واختُزِلت بشكل مكثف إلى حد بعيد حتى أننا نكاد نتصورها تلخيصا لرواية أعم وأشمل .
وفي خضم استعادته للماضي بكل ثقله لم يسهو الراوي عن استعادته لقصة حبه لـ " أراسيلي " الصبية ذات البشرة السوداء اللامعة تحت الشمس واختلاس النظر إليها من بين عيدان القصب الذي كان يغطي المنطقة حين كانت تسبح في النهر , وما يستعيده الراوي هنا لا يتعدى كونه قصة إعجاب شديد أو قصة حب من جانب واحد , ويزيد من تراجيدية القصة وفاة أراسيلي في ظروف غامضة وموتها الذي يشبه موت أي كائن لا أهمية له ولن يحزن عليه أحد .
ومع بابها أو فصلها الثاني المُعنون ب " شارل ملفيل سكامون " تصل الرواية إلى ذروة تشويقها وإثارتها حين يروي هذا الـ "شارل " وهو قبطان السفينة " الليونور " مغامرة اكتشاف ممر بحري مليء بالحيتان الضخمة ووصف عملية صيد مجموعة من هذه الحيتان وهو الوصف المقارب للواقع والذي لم تنقصه البراعة في النقل ولا الإيقاع المتسارع المتتابع , وتنثال الصور حتى ان القارئ يحس بأنه يشاهد شريط سينمائي لشدة الحركة التي قد يصل عنفوانها إلى حد العنف وتتحول عملية القراءة إلى التقاط لصور تشكل المشهد الذي يسرده الكاتب وملاحقة للوصف الحيوي والتصاعد المحموم للحدث وصولا إلى لحظة التوتر القصوى وذروة الحدث ومن ثم العودة إلى النسق الهادي وزمن التقاط الأنفاس .
أعود وأقول أنه عندما قلت عن الرواية أنها غير تقليدية عنيت بذلك انها وبخلاف روايات أخرى كثيرة , تخوض في عالم البحر وتستجلي صراع الإنسان معه بغاية الأنتفاع بخيراته المخبوءة , وكما ان هنالك لكل بيئة أدب خاص بها يعبر عنها ويكشف جمالياتها المرئية والمستترة كأدب الصحراء وأدب المدينة والقرية وحتى الحارة , هنالك أدب ما يمكن أن نتفق على تسميته بأدب البحر الذي نبغ فيه عربيا الروائي السوري حنا مينا وعالميا جنكيز ايتمانوف وأرنست همينغواي وإلى حد ما في رائعته " حكاية بحار غريق " , ماركيز , وهذه الرواية تنتمي إليه دونما مواربة , وبطبيعة الحال لم تكن القراءة الثانية - فيما يخصني - مملة , وذلك يعود إلى أنني نسيت تفاصيل الرواية غير أن أجواءها العامة وعوالمها المليئة بالحركة والتشويق لا زالت حاضرة في الذهن وحين باشرت قراءتها للمرة الثانية لم أشعر بأنني أكرر قراءتها بل قرأتها بذات الشغف والأستعداد للأندهاش اللتين اقرأ بهما أي عمل للمرة الأولى .
******************
ناصر سالم المقرحي



قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا