أضيف في 15 أبريل 2018 الساعة 20:25

تهافت من نوع آخر


المصطفى سالمي
كان الناس يُقبلون على المطعم بحماسة منقطعة النظير، بعضهم لا يجد له مكانا على الكراسي سواء في الداخل أو الخارج، بينما الذين هم على الكراسي كانوا يلتهمون ما في الصحون على عجل، وآخرون كانوا يتوجهون نحو حوض غسل اليدين، إنه منتصف النهار، الشوارع مزدحمة ومنبهات السيارات لا تتوقف عن التردد وقصف مسامع الناس، وإشارات المرور يتتابع ضوؤها بين أحمر وأخضر وأصفر، راجلون وسائقون وتلاميذ وموظفون وعمال، الكل في عجلة من أمره، البعض محمل بقفف أو أكياس، وصغار يحملون محفظات وقلة يحملون جرائد، كان الأخيرون حالات نادرة، تمنى السيد (الراضي) ـ الجالس في الواجهة الخارجية للمطعم ـ لو أن مَن يتهافتون على ملء بطونهم كانوا بمثل تعداد من يحمل جريدة أو مجلة، ولكن ربما حتى من يتأبط الجريدة ليس بالضرورة هو مقبل على المعرفة، إن هم في الغالب إلا مواكبون للمستجدات السياسية والرياضية خاصة في هذه الأيام التي تغلي بالمستجدات في الحروب والنزاعات إلى جانب سخونة كأس العالم في كرة القدم ونهائيات الأندية البطلة.. لقد مضى ذاك الزمن الذي كان فيه التهافت على المعرفة المجردة، وتذكر السيد (الراضي) النقاشات العلمية التي تتحدث عنها كتب الفكر والفلسفة حين كان الأقدمون مهووسين بثنائية العقل والنقل، التأويل والاجتهاد، أو المحافظة وتقديس النص، ذاك صراع فكري قديم تحيل عليه كتابات ابن رشد والإمام الغزالي، فالأخير حاول إثبات (تهافت الفلاسفة)، والآخر ـ وبعد ثلاثة أرباع القرن ـ عمل على التأكيد على (تهافت التهافت)، لم يعاصر أحدهما الآخر ولم يعش في زمانه، لكنهما عاشا في فلك فكري من عوالم المعرفة الخالصة، بينما اليوم كل "التهافت" على سد تجاويف المعدة وإشباعها بألوان من الأطعمة المختلفة المذاق والأشكال والأصناف، وإشباع الأجساد بالأقمشة المختلفة التفصيل والنوع والمصدر، إنه زمن متهافت هو بدوره هذا الحاضر، إنسانه يتهافت نحو البريق والمظاهر والعظمة المجنونة، نحو عوالم السيارات والعقارات والمناصب والرتب والمقامات، ولكل عصر رجاله وأيامه وأولوياته..
وما زال المطعم يزدحم بالناس، تجتذبهم رائحة البطاطس المقلية و(الطاجين) و(الدجاج المحمر) و(السَّـلَـطات) الراقية.. الكراسي هنا لها جاذبية أين منها جاذبية كراسي العلم في الأزمنة الغابرة، مكان على حصير قبالة عمود ـ بالقرويين أو الأزهر أو الزيتونة أو جوامع بغداد ودمشق ـ يستند إليه عالم فقيه محدث في علوم الفقه والأصول والمنطق كان له مغناطيس وجاذبية من نوع لا يُضاهى.. انتبه (الراضي) من تأملاته على وقع منبهات السيارات وهي تعيده للحاضر الراهن بكل تفاصيله، التفت حواليه لتتقابل عيناه مع لوحة إشهارية ضخمة مكتوب عليها: "مع الجوال، (هْضَرْ وزيد هضر) (1)" تأكد صاحبنا أن ناس زمانه هم أهل ثرثرة وأقوال وأنهم تركوا لأجدادهم التفكير وجميل الأفعال، ولكن رغم قوة تفكير هؤلاء الأجداد الغابرين فلم يدر بخلدهم أن من أصلابهم ستولد أجيال تبتدع تهافتا لا كالتهافت، ولكن أليس من الظلم توجيه اللوم لهؤلاء الجدد، أم هي ليست إلا سُنة الحياة أن يساير الناس طبائع الأمور وسنن الكون التي لا تقنع باللغو حول أصل الماء والحجر وأسبقية البيضة والطائر، وجدل عقيم حول من هو التعيس: القَلِقُ أو الحائر؟؟!!! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) "الهضرة" في العامية المغربية تعني الثرثرة ولغو الكلام والفعل: "هضر" يعني "ثرثر" أو تكلم كثيرا


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب