أضيف في 15 أبريل 2018 الساعة 11:42

زمن سرقة التنمية


رشيد اليملولي
زمن سرقة التنمية .
يتقاطع الزمن السياسي في العالم النامي ثلاث مستويات ؛ يخص الأول منها الزمن السياسي الذي كانت فيه الدولة تسير ذاتها وفق ما تراه مسايرا لمنطلقها و سياقاتها الداخلية و الخارجية .
وسياق ثاني يعبر عنه بالاستعمار ، الذي و على الرغم من طابعه الموغل في الاستغلال ، قدم بعض " الخدمات " في غفلة منه و بإرادة منه أو بغير إرادة ، و زمن الاستقلال ؛ و فيه كان الزمن السياسي زاخرا بالأحلام و الطموحات و الأماني ، التي سرعان ما تكسرت بفعل فاعل من أبناء الجلدة .
الخاصية المميز لزمن الدولة ـ الاستقلالية ، هي الرقي في الخطابة و إنتاج القول و الشعار ، و الاحتكام إلى الأنا التي تجاوزت صورة الجماعة في صيغة المقاومة ، المعبر عنها في الدفاع عن الوطن و سيادته ، بل و ارتقى هذا الزمن إلى بناء الفرعونية و التسلط ، و زج بالمقاومة السياسية و الاختلاف من الداخل ، في أتون السجون و المعتقلات التي برع فيها أحيانا ، و تجاوز أستاذية الاستعمار ، و انتقلت السرقة من طابعها الاستعماري إلى طابعها الوطني ، و باسم الوطن و الحرية و الاستقلال و انتهاء عهد الحجر و الحماية ، سرقت الأحلام و التنمية و الإنتاج المادي و الرمزي ، و تعالت الأصوات أن ظلم ذوي القربى أشد مرارة ، حسب ما تؤكده تقارير المنظمات الوطنية و ليس الدولية ، فإذا كان عنف و استغلال الاستعمار يبدو مسايرا لمنطقه الخاص و فلسفته النفعية ، فإن استعمار الوطن للنفوس و الأحلام و تحويلها إلى كوابيس ، و خوف من السياسة و بها و عليها ، يعد علامة مميزة و خاصية لا تفارق الأفق المواطنة ، التي أضحت آخر الاهتمامات في مشروع الدولة الوطنية ، بشكل قد يفسر الكثير من الإخفاقات التي عبرت عن تأبيد التخلف و استهلاك الثروة خارج الإبداع فيها ، فهل الدولة الوطنية بمؤسساتها و رموزها مؤامرة محبوكة لسرقة الوطن باسم الاستقلال ؟ ، و دفن الإنسان و الوطن معا في مقبرة اليأس حتى نكاد نقول ما قالت العرب قديما :" اليأس إحدى الراحتين " .
إن سرقة الحلم و الإنسان و الأخوة باسم " القبيلة السلطوية " ، يشي بأن حلم الدولة أصبح أضغاثا ، و أقصى ما نرومه سلطة أقل سطوة و بطشا ، و في هذا المستوى دافع بشراسة الفقه السياسي عن سياسة التغلب و الشوكة و العصبية ، و أمد السلط المرتبطة به بسياج شرعي و قانوني كرس مزيدا من تنمية التخلف و إرساء قواعده ، فلا هو استطاع الرقي بالمجتمع ، و لا هو قادر على إنتاج ذاته إذ هو فكر لا ينمو ولا يتطور ، بقدر ما يعيش على فتات شرعي في منظومة التطور و التقدم الحضاري .
ما معنى أن نفشل في بناء دولة لها مقومات الاستمرارية بالمعنى الوجودي و الإنساني ، تمتلك ناصية الفعل و المنافسة و الندية و إثبات الذات ؟ عوض أن نلوك الفشل و الإفشال و نرعى إجهاض المحاولة ، مع العلم أن الثمن التنموي مغيب بإرادة ، يستعصي معه أحيانا الحديث عن دولة بالمعنى المتكامل ، أي دولة الإنسان و التنمية و إنتاج الثروة ، و لا ضير أن ترافقه سلطة الإكراه المؤسساتي باعتبارها سمة ملازمة لوجود الدولة في الاجتماع الإنساني عامة ، و من خلال التجربة الحضارية و الإنسانية .
لقد فشلت الدولة الوطنية فشلا ذريعا في الدفاع عن أحقيتها و مصداقيتها السياسية ، و أبانت عدم قدرة الفاعل الوطني و المنظومة السياسية برمتها ، عن تجسيد القوة المتأتية من الاجتماع القومي و الوطني و الإسلامي و الوحدة المغناة في جل الأدبيات و الخطابات التي رعتها الدولة الوطنية ، فهل مرد ذلك إلى قصور في الفهم و الوعي ؟ أم في سلطة العوائق الذهنية و الثقافية و الاجتماعية التي تستعصي على التجاوز ؟ أو أن الاحتكام إلى نظرية المؤامرة قد يغني عن كل هذه الإشكالات ؟ .
الراجح أن الدولة الوطنية لم تستطع بعد أن تقدم ذاتها باعتبارها بديلا للدولة القبلية ، و مقومات التغلب خارج الشوكة و العصبية ، بل إن العنف المشروع المعبر عنه في مؤسساتها لا يعدو أن يكون شططا في ممارسة هذا الحق ، و ذلك لسبب بسيط هو أن المؤسسة لا تشتغل بمنطقها الخاص و مضمونها النوعي ، بل تصدر عن الشخصنة و التأويلات الأحادية المجانبة بالضرورة لمنطق و روح الوثيقة الدستورية المنظمة للعمل السياسي ، و في هذا إلغاء لمبدأ التشاركية و قيم الوطنية التي تنتصر لحقوق الفرد وواجباته ، التي يتحول الفرد بموجبها إلى أداة ووسيلة تشتغل بها الدولة لقضاء مآرب لا علاقة لها بالدولة و المؤسسة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب