أضيف في 14 أبريل 2018 الساعة 20:12

بحثا عن معنى للحياة


المصطفى سالمي
تُرى ما الذي يبحث عنه السيد (الراضي)..! إنه دائم التنقل في المكان والزمان، لا يستقر به الحال على وضع واحد، هو تارة في مدينته الصغيرة (سطات) التي رأى فيها نور الحياة وشب بين دروبها وأزقتها، يشده الحنين إليها بين فترة وأخرى، وهو تارة مشدود إلى المدن الساحلية القريبة التي تسحره بشطآنها حيث يجد الغموض اللامتناهي الذي يبث فيه الإلهام للكتابة والإبداع، وتارة هو منجذب إلى مدينة (الجديدة) الخلابة التي كسرت نحس بطالته، والتي فيها قضى سنة تكوينية كانت بلسما لجراح الماضي قبل أن ترمي به المقادير إلى أقصى الجنوب المغربي.. إنه دائم الترحال بحثا عن كنه السعادة محاولا بالفرضية والتجربة تمحيص اللامعنى لتحويله للمعنى، وكأنما يقيس الهواء بالمتر، والجاذبية بمقاييس ومكاييل السوائل والأجسام الصلبة...
وأما حكاية "الزمان" فتلك قصة لا تقل غرابة عن حكاية المكان، فصاحبنا لا يستقر عند الحاضر، إنه أغلب الأحيان ينحو اتجاه الماضي مسافرا دائما وأبدا على أجنحة الخيال عبر دروب الطفولة طورا والصبا والشباب أطوارا أخرى، فيعود إلى اللحظة والهنيهة ممططا جزئيات كل دقيقة وثانية حتى تصبح آمادا طويلة متمددة على طاولة حياته، متجاوزا أزمنة وبحور الشقاء والحزن قافزا عليها كأن لم يكن لها وجود بالمرة في حياته، حتى لكأنها مجرد هنيهات عابرة في هذا الوجود اللامتناهي، مستمتعا أثناء كل ذلك باستعادة لحظات منفلتة يسرقها من كهوف الماضي وتجاويفه ليعيشها حاضرا حيا مباشرا بكل التوهج والتألق والبريق..
تُرى هل يستطيع (الراضي) أن يسرق المستقبل من طيات المجهول ليضعه على صفحة الحاضر الراهن، ذاك أمر لا ولم يهتم له البتةَ السيدُ (الراضي)، فخياله الجامح الذي لا يكبحه لجام لم يختبر بعد القفز نحو متاهات المجهول اختيارا وليس اضطرارا، إنه مفعم بالماضي أكثر لأنه مقترن بالمكان اقترانا، إنه ممزوج بسهول (الشاوية) و(عبدة) و(دكالة)، ومقترن أيضا بـ (الساقية الحمراء) و(وادي الذهب) حيث قضى سبع سنوات من العمل، لذلك يعود صاحبنا لوجوه ألفها وتعايش معها وفرقت الأقدار شملها، ولعل صاحبنا يبدو أبعد ما يكون عن مضمون قول الشاعر:
ما مضى فات والمؤمل غيب # ولك الساعة التي أنت فيها
إن خيال صاحبنا الذي اتسع لقراءات امتدت لعقود من الزمن شملت روايات بالمئات تعدادها آلاف الصفحات لهو خيال قادر على التأليف بين كواليس الأزمنة ودروب الأمكنة لينسج حكاية تؤسس لكينونة ذات وكنه وجود لا كالحياة ولا كالوجود المعتادين، فالإنسان يعيش بالذاكرة وبالخيال، ويجعل منه رداء للأمنيات والآمال.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب