أضيف في 13 أبريل 2018 الساعة 19:56

شموخ يتحدى النسيان


المصطفى سالمي

جلس (الراضي) قبالة (الأقواس) ـ وسط مدينة سطات ـ يتأمل ماضي حياته، إنها مدينته التي فيها رأى نور الحياة وعاش أيام الطفولة والشباب قبل أن ترمي به الأيام والأقدار نحو أقصى جنوب البلاد، وبعدها نحو سهول (دكالة)، رأى (الراضي) حياته أشبه ما تكون بثور الساقية المعصوب العينين، يدور ويلف ليعود من حيث انطلق، هو أيضا مشدود إلى عمل روتيني لا يدع له المجال لينفلت بعيدا عن مربطه الذي هو البيت والمؤسسة التي بها يُدرّس. حمدا لله أن هناك شيء اسمه العطلة الربيعية والعطلة الصيفية، وها هو الآن في الأسبوع الثاني من شهر أبريل حيث أجواء فصل الربيع جعلت سهول (الشاوية) تكتسي حلة جذابة، وكأنها في عرس بهيج، وترامت الذكريات متدافعة نحو مخيلة (الراضي)، هنا (قصر البلدية) ما زال شامخا كما عهده دائما، وهنا (زنقة الذهيبـية) التي تعج بالحركية ليلا ونهارا، بينما انكمشت اليوم زنقة (عين نزاغ) على نفسها وقد سكنتها روح الشيخوخة بعد رحيل الصغار الذين كانوا يملؤون فضاءاتها صخبا وضجيجا لا ينقطع قبل عقود ثلاثة أو أربعة خلت، وقتها كان (الراضي) طفلا وسط جموع هؤلاء الصغار يلعبون ألعاب الصبا التي لا تمت لألعاب هذا الجيل بأية صلة، تذكر مفرقعات عاشوراء وألعابها النارية والخذروف ولعبة التخفي والكرة البلاستيكية أو الكرة التي كانوا يصنعونها من الأقمشة البالية، بينما الإناث كن يلعبن لعبة (الحجلة) المفضلة لديهن...
ما بال وجوه الناس في هذا الزمن أكثر جدية وعبوسا من وجوه ناس الثمانينات من القرن الماضي، لقد كان البِـشْر والسعادة يعلوان محياهم حتى في عز سنوات الجفاف حيث تصمد (الشاوية) بعنفوان أمامه، تأتي الشاحنات وقتها من كل بقاع المملكة السعيدة ليتم تحميلها بالقمح المخزن في مخازن التعاونيات الفلاحية، بينما شاحنات أخرى تذهب من هنا محملة بالتبن كعلف للماشية نحو أصقاع البلاد طولها وعرضها.
توقف (الراضي) أمام ثانوية (المعتمد بن عباد) ومرت فجأة كالطيف العابر صور زملاء ومدرِّسين عبروا كأن لم يتجمعوا يوما في فصول الدرس لشهور وسنوات، بعض الأسماء مازالت محفورة في الذاكرة، وتراءت الطرائف والمواقف الساخرة كأنما تهزأ بالحاضر متحدية جبروته، لكن الزمن رغم كل هذا قال كلمته وبقوة، فقد غيبت الأيام وجوها كانت ملازمة لمحلات تجارية، وغيبت جيرانا وأعلام مدينة، بينما وجوه جديدة تحاول جاهدة أن تأخذ مكان غيرها، لكن أين مرح محلات الغناء الشعبي التي كانت تنشط في الأعراس والمناسبات، أين أنت يا (سْعَيّد) الذي كان يرقص فوق عربة العرس كما لم ترقص امرأة قط، محدثا إيقاعا مدويا بقدميه المنتعلتين حذاء رياضيا ووسطه مشدود ويداه تلوحان على إيقاعات (العيطة) الشهيرة، أين (الحلقات)الشعبية التي كانت تقام وسط هذه (الأقواس) بوسط المدينة؟ أين أنت يا موسم الولي الصالح (سيدي الغليمي)؟ وأين بهاليل المدينة من أمثال: (باخا) و(السيسي) و(الشيكي) و(حنيشة)؟ لقد حل محلها بهاليل آخرون قدموا من دول أفريقيا السمراء يجوبون اليوم دروب وأزقة المدينة كأسراب حطت من المجهول، أين أنت يا وادي (ابن موسى) الذي رافق أيام الطفولة وشهد على شغبها الصبياني البريء حيث الهروب من المدرسة باتجاه ضفاف الوادي وبساتين (ولد الباشا) لجمع الأسماك والضفادع والفراشات، أين أنت يا فريق النهضة الرياضية السطاتية بنجومها وأمجادها؟..
وحده تمثال الفرس ـ في قلب المدينة ـ يشهد على الماضي القريب، ويحاول أن يجمع الذكرى من همسات صهيل الجياد وثغاء أغنام السردي، ومن همسات النسيم التي تعبر من فوق السنابل والجداول ليشهد أن مدينة أصيلة شامخة ما زالت تتحدى الأيام والليالي، وأنها مهما عبر العابرون فلن تفنى الحكايات ولن تموت الذكريات.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب