أضيف في 13 أبريل 2018 الساعة 14:56

المراهقة وتاثيراتها النفسية على التمدرس لدى ذوي التثلث الصبغي


عبدالصمد بانة

الأخصائي النفسي الاجتماعي عبدالصمد بانة


تتصف مرحلة المراهقة منذ بدايتها بالعديد من الخصائص والمواصفات التي تميزها عن سنوات الطفولة وعن المراحل التي تليها ، وهي تعتبر بذلك مرحلة فريدة من مراحل عمر الإنسان الحافلة بالتغييرات الجسمية والفسيولوجية والاجتماعية والانفعالية ،والتي تترك آثار كبيرة على شخصية المراهق ونفسيته إذا لم يحسن فيها رعايته وتوجيهه ومساعدته على التكيف لها والتوافق فيها مع النفس والمجتمع.
المراهقة مرحلة انتقالية ما بين طفولة الفرد ورشده، وهي تعد من المراحل الحرجة في حياة كل فرد لما يحدث فيها من تغيرات فسيولوجية وجسمية يترتب عليها توترات انفعالية حادة، يصاحبها القلق والمتاعب وتكثر فيها المشاكل الاجتماعية والنفسية التي غالباً ما تعكر صفو حياة المراهق، وتتطلب من المحيطين به التدخل والمساعدة والوقوف إلى جواره والأخذ بيده حتى يعبر خلالها بسلام.
وتعد المراهقة لدى ذوي التثلث الصبغي لها خصوصيات بحيث تتحكم فيها عدة متغيرات ومن أبرزها الإعاقة، كما أن ذلك الحاجز غير موجود عند هذه الفئة، لأن سلوكاتهم تكون مرئية للعيان منها الجنسية وما شاكل ذلك.
تتميز مرحلة المراهقة بالتوتر، والقلق والصراعات النفسية ، والحساسية ورهافة الشعور ، بحيث تكون انفعالات المراهق متضاربة وغير مستقرة ، نراه يشعر بالسعادة والسرور،و أحيانا أخرى بالقلق والحزن.
يطمح المراهق إلى الاستقلالية ،والاعتماد على النفس والشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه العائلة، وتغلب الأنا الفردية بقوة صارخة،وغالبا ما لا يتحقق هذا المسعى مما يؤدي به إلى الإحباط ، كما أن انتقال المراهق من مرحلة الطفولة ، التي تتميز باللهو، والمرح إلى مرحلة المراهقة التي تتميز بطفرات النمو وتلك التغييرات التي تطرأ عليه بنوعيها الجسمية ، والنفسية مما يجعله في منزلة بين المنزلتين، بحيث يرى تلك التغييرات بعين الاستحسان ، وتارة أخرى بعين من الاستغراب وهذا الشرخ يؤدي به إلى الارتباك والتساؤل عن شعور الآخرين تجاهه.
ومن بين أهم الأشياء لأكثر حساسية في هذه المرحلة، تلك التي المتعلقة بالنمو الجنسي، إذ يعتبر الأبرز في تلك التغييرات، والتي تساهم في ظهور القلق والتوتر والغضب لدى المراهق أكثر الأحيان.
كما أن نظرة الآخرين لتلك التغييرات تقلقه كثيرا، مما يجعله ينظر للمرآة، ويتفحص جسمه وتقاسيم وجهه، وعضلاته ولسان حاله يقول هل أصبح شكلي يجلب الانتباه سلبا أم إيجابا ؟ ولا يجد الجواب المقنع له.
كثيرا ما يحدث الصراع لديه نتيجة معاملة الكبار له ، على سبيل المثال عندما يسلك المراهق سلوك الكبار ويطلب منهم إشراكه في حل المشاكل الأسرية أو الاجتماعية يقولون له أنت ما زلت صغيرا على ذلك ، أما عندما يسلك سلوك الأطفال عندها يعيبون عليه ذلك ويقولون له أنك كبرت على ذلك؛ مما تجعله تلك المواقف النابعة من الكبار يتساءل لا أدري هل أنا الآن أصبحت كبيرا أم ما زلت صغيرا ؟ ولا يستطيع الوصول إلى الجواب الصائب،مما يولد اضطرابات سلوكية لديه، كما أن الأسر غير واعية تتعامل مع هذه المتغيرات بنوع من السلطوية ، في حين أن المراهق في حاجة إلى الحب والحنان...
يتبادر لنا مما سلف أن فترة المراهقة، تتميز بخصائص جوهرية ، والتي بإمكانها أن تعطي انطلاقة في الحياة إما سلبية أو إيجابية، لذلك يتعين على كل المتداخلين ، الأخذ بعين الاعتبار جل الجوانب
المحيطة والتي تتحكم في نفسية المراهق.

المراهقة مرحلة هامّة في حياة الفرد، تتبلور فيها معالم الشخصيّة الكاملة التي تستمرّ معه طوال عمره، فهي مرحلة تتّسم بالنموّ السريع والتجدّد المُستمرّ في جميع المظاهر النمائيّة، فهي بداية تَرقى بالفرد إلى مرحلة النضج واكتمال نموّ أطواره، وتتوسّط بين مرحلتين؛ الطفولة السلسة الأليفة وبين مرحلة النضج واكتمال النمو، فيبدأ الذكر بالانتقال من مرحلة الطفولة إلى الرجولة، وكذلك الفتاة فهي تسير إلى مرحلة .اكتمال أنوثتها، ومنها إلى مرحلة الشباب والنضج
تُقسم أطوار نموّ الإنسان إلى عدّة مراحل نمائيّة، لكل مرحلة منها خصائصها الفسيولوجية والاجتماعيّة والنفسيّة، ممّا يُميّز كل مرحلة عن الأخرى، لكنها مُتداخلة مُترابطة فيما بينها تُبنى كلّ منها على أساس سابقتها، إلا أن مرحلة المراهقة بشكل خاص تتميّز بالتسارع الواضح النموّ بكافّة مظاهره، أما السن الذي تبدأ به هذه المرحلة فهو سن الثاني عشر وحتى الواحد والعشرين، وعادةً ما تسبق الإناث الذكور بسنة، إلا أنّ هذه الأعمار تختلف من مُجتمع لآخر من فرد لآخر. بالإضافة إلى الدور الهام للفرو قات الفردية قُسِّمت مرحلة المراهقة إلى مراحل زمنيّة لتسهيل عمليّة دراسة خصائصها، وكان التقسيم على النحو الآتي :


1. مرحلة المراهقة المبكرة:

تتميّز بالنموّ المُتسارع في جميع مجالات النموّ الجسميّة والنفسية والجنسيّة...؛ فتبدأ عملية البلوغ ومُؤشّراتها العضويّة وظهور الصفات الجنسيّة، واستمرار تتابع هذه التطوّرات يُعرِّض المراهق إلى الكثير من الضغوط النفسيّة؛ "فيُعاني من اضطراب المهارات التكيفيّة مع نفسه وأسرته ومُجتمعه، فيميل إلى الانطواء والعزلة، ويُصبح شديد الحساسيّة تجاه أيّة مُلاحظة تُوجَّه إليه وخصوصاً تجاه مظهره،
بالإضافة إلى حالات من عدم التوازن والانفعالات الحادّة والمُبالَغ فيها".

2. مرحلة المراهقة الوسطى:

بعد مرور المراهق في المرحلة السابقة بالكثير من الاضطرابات وسرعة النموّ الداخليّة، يُصبح المراهق في هذه الفترة "أكثر هدوءا وتكيُّفاً مع استمرار النمو لكن بسرعة أقل، بالإضافة إلى اتّضاح رؤيته لميوله واتّجاهاته، مع ظهور مشاعر التمرّد تجاه السلطة العليا في المنزل أو المدرسة أو تجاه كل من يمسّ استقلاليّته"، فهو يسعى إلى الاستقلال بذاته والحفاظ عليها من خلال الشعور بالمسؤوليّة المُجتمعيّة، والميل إلى تقديم المساعدة للآخرين، وأنّه صاحب دور مُهمّ في محيطه.

3. المراهقة المتأخرة:
يصل المراهق في هذه المرحلة إلى اكتمال النضج الجنسيّ والجسميّ، بالإضافة إلى ارتفاع مُعدّل لياقته، ويُحاول المراهق ضبط انفعالاته واستجاباته، والسعي إلى تكامل جوانب شخصيّته، والشعور بالاستقلاليّة، وتحمُّل المسؤوليات،"وتتكوّن لديه مهارة القدرة على اتّخاذ القرار بشكل مُستقلّ، وتحديد أهدافه التي يسعى إلى تحقيقها، كما يزيد اهتمامه بتحقيق التّوافق الاجتماعيّ والذاتيّ، وتتبلور في هذه المرحلة القيم الاجتماعيّة والدينيّة.

وهناك اختلافات بسيطة في تقسيم المراهقة، ويرى حامد عبد السلام أن المراهقة تنقسم إلى:
 مرحلة المراهقة المبكرة من 12 إلى 14 سنة
 مرحلة المراهقة المتوسطة من 15 إلى 21 سنة
 مرحلة المراهقة المتأخرة من 18 إلى 21 سنة

وهناك تقسيمات أخرى تختلف في تحديد الزمني لمراحل المراهقة الفرعية ونذكر منها :

 المراهقة المبكرة الممتدة بين 11 و 14 سنة
 المراهقة المتوسطة الممتدة بين 15 و 18 سنة
 المراهقة المتأخرة الممتدة بين 19 و 21 سنة
يتمظهر من خلال ما سبق أن المراهقة تتحكم فيها عوامل وراثية، وبيئية، وثقافية...، وتكون من أبرز محدداتها في بروز واكتمال النضج الجسمي والعقلي، والنفسي الاجتماعي وما إلى ذلك.
يتبدى مما سلف الإشارة إليه أن مرحلة المراهقة من المراحل المفصلية في حياة جميع الأشخاص بصفة عامة ويري" سيغموند فرويد" وأنصار التحليل النفسي؛ "إن مرحلة المراهقة هي الفترة التي تعتدل فيها بنية شخصية الفرد ويعاد فيها ترتيب الجهاز النفسي من جديد"، ففي مرحلة الطفولة كان الأنا يتوسط الهو والانا الأعلى حيث كان يعمل على تحقيق التوازن بين رغبات الهو ومتطلبات الأنا الأعلى وفي هذه الفترة ينجح في تحقيق التوازن بينما في فترة المراهقة يطرأ جديد على رغبات الهو التي تتأجج بالرغبة الجنسية نتيجة البلوغ وتأثير الحوافز الجنسية فيصبح أكثر ضغطا على الأنا التي تصاب وظيفته نتيجة ذلك .
أما النظرية النفس اجتماعية يرى" اريكسون" أن المراهق فرد يدخل في أزمة اجتماعية نفسية حيث تتولد بعد البلوغ جملة من المشاعر غير مألوفة والتي لم يكن يعيشها في السابق، فيشعر انه له دوافعه الخاصة، والتي يجب أن يحترمها الآخرون"، كما أنه لا يحتاج إلى مساعدة الآخرين لان لديه مهارات تمكنه من التعامل مع الناس ورغم تلك المشاعر غير إن خبرته بالحياة وبالآخرين قليلة فمازال تعامله مع الناس محدودا وناقصا ومن هنا يحدث الصراع في تحديد الهوية فالمراهق يفكر في شيء والواقع شيء آخر، فلابد من استمرار الحماية والإشباع العاطفي والمادي مع توجيه للاعتماد على نفسه والانتماء إلى جماعة يفهم من خلالها دوره مع الآخرين، ولا بد من إكسابه ثقته بنفسه وتشجيعه ومدحه والثناء عليه حتى يشعر بذاته بدلا من شعوره بالضعف.
يتبدى مما لاشك فيه أن المراهقة تؤثر نفسيا على التمدرس لدى ذوي التثلث الصبغي ، فقد تم دراسة ثلاث حالات وتمظهر خاصية تجمعهم، في العموميات رغم وجود خصوصيات في هذا الصدد؛ بحيث أن فترة المراهقة تتقاطع فيها عوامل مشتركة بين الحالات المدروسة.
ففي هذه المرحلة تحدث عدة تغيرات عضوية وتنشط الغدد الجنسية ويبدأ الفرد بمواجهة هذه التغيرات وما يترتب عليها من مطالب اجتماعية ونفسية بالإضافة إلى الحاجات الجنسية، وهذا يتطلب مساعدة المراهق على أن يتقبل هذه المرحلة بما فيها من مستجدات، وكيفية التوافق مع مجتمعه حتى يتحقق له التوافق العام.
هذه العوامل قادرة على جعل الطفل ذوي التثلث الصبغي ، في هذه المرحلة يتراجع في مستواه التعلماتي خاصة أن المراهقة تمس كثيرا الجانب النفسي أكثر من أي شيء أخر .
ففي هذه المرحلة كانت النتائج تؤكد زيادة نسبة الاكتئاب عنها في الطفولة، وظهور بعض الانحرافات الاجتماعية كالعنف، المراهقين ذوي التثلث الصبغي يتابعون نموهم النفسي والجنسي في نفس الوقت كباقي أقرانه فهم لا يختلفون عن أقرانهم إلا في معدل الإدراك الذهني .
وهنا تصبح المشكلة مضاعفة لأن أسر المراهقين ذوي التثلث الصبغي يجهلون بمسألة المراهقة وما يترتب عليها من مشاكل نفسية واجتماعية.
إذ أن بعضهم يجهل تماما أن أبناءهم وبناتهم يصلون إلى مرحلة البلوغ الجنسي مثلهم مثل أقرانهم،والبعض الآخر قد ينكر هذه الحقيقة خوفا من مواجهتها.
أما الأطفال فإنهم غير مدركين للتغيرات الجسدية التي تطرأ عليهم وما سببها وما يترتب عليها من تغيرات نفسية أو ماهي المطالب الاجتماعية المفروضة عليهم في هذه المرحلة الجديدة،لذلك نجد عدة عوامل قد تقود المراهق إلى الانحراف الاجتماعي بدون وعي، فهم يتفاعلون مع الغرائز والمشاعر بتلقائية شديدة قد تتنافى أحيانا مع عادات المجتمع، وتكون تصرفاتهم أحيانا ناتجة عن الوحدة، والعزلة الاجتماعية، التي فرضت عليهم من أسرهم بسبب الحماية الزائدة.
فالحماية الزائدة لا تتيح للطفل في وضعية إعاقة بصفة عامة؛ الفرصة لاكتساب العديد من الخبرات والمهارات الضرورية للحياة اليومية.
انطلاقا مما تقدم ظهر أنه فعلا المرهقة تؤثر على جوانب عديدة ومن بينها التمدرس لكن إذا ما تم العمل من قبل وتهيئ الطفل لهذه المرحلة لا من الأطر التي تشتغل معه أو من طرف أولياء الأمور، حتى يتسنى للطفل كسب هذه الفترة وجعلها نقطة أساسية في اكتمال ونضج الشخصية نحو اندماج أفضل ومتكامل .



قائمة المصادر والمراجع:
1) د: ادم حاتم محمد " الصحة النفسية للمراهقين"، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة سنة2005، مصر.
2) د:محدب رزيقة،" الصراع النفسي الاجتماعي للمراهق المتمدرس وعلاقتها في ظهور القلق" دار النشر القاهرة، سنة 1999، مصر.
3) د، نوري الحافظ ، " المراهق دراسة سيكولوجية " ، ط1 المؤسسة العربية للدرسات والنشر ، 1981، بيروت لبنان.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبدالصمد بانة

أخصائي نفساني   / الدارالبيضاء , المغرب