أضيف في 9 أبريل 2018 الساعة 11:21

في ظلال التجديد عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله


أحمد حسيسو
مقدمة:
إن الإيمان يزداد وينقص، يزداد بالطاعات والقربات، وينقص بالمعاصي والغفلات، ويكون لذلك أثر في أعمال العباد وسلوكاتهم وتصرفاتهم وفي معاملاتهم علاقاتهم أفرادا وجماعات، فعندما يطول الأمد تنطمس الفطرة وتقسو القلوب، فيوسوس شيطان الهوى للنفوس فتهوي في دركات الشهوات والذنوب، فتكون الحاجة ملحة لمن يدعو ويذكر ويعلم ويصلح بالمقال والحال، بشيرا ونذيرا، وسراجا منيرا، ليرجع إلى الصواب من سبقت له من الله الحسنى ويتوب، تلك كانت وظيفة الأنبياء والمرسلين، إمامهم في تلك المهمة العظمى سيدنا محمد خاتمهم عليه وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه، وقد اقتضت حكمة الله تبارك و تعالى، أن تستمر هذه الوظيفة النبيلة بعد انقطاع النبوة، فيقيض لها من خلقه من دون الأنبياء عبادا له يهيئهم ويصطفيهم ويلهمهم ويوفقهم، ويبعثهم على رؤوس القرون بعد رسول الله ليجددوا لهذه الأمة دينها، إنهم من خاصة علماء الأمة، وهم أمناء الرسل وورثة الأنبياء عليهم السلام.
تجديد الدين و الإيمان:
روى الأئمة أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”
وروى الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، والحديث صححه الإمام السيوطي عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله.”
يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، نحسبه عالما ربانيا وإماما مجددا ولا نزكي على الله أحدا، لكن ما جمع الله له وفيه من دلائل عالم الشهادة من العلم والاستقامة والصلاح مما شهد به الخصوم قبل الموالين، والثبات على الحق والقوة في حمل كلمة الحق بشكل لا يخفى على أحد، رغم ما اقتضاه منه ذلك من باهض الثمن وعظيم البلاء، ناهيك عن بشائر عالم الغيب المتواترة، التي قد يردها بعض من لا تتسع حويصلته لتصديق ما يمن به الحنان المنان على من يشاء من عباده الصادقين، يقول الرجل: “تحصل لنا من هذه الأحاديث الشريفة أن الإيمان يبلى فيجب تجديده، يضعف فتتعين تقويته وأن الأمة تكلؤها عناية الله فيبعث سبحانه لها من يجدد لها دينها، وأن الإيمان يعالج من بلاه وضعفه بطب موصوف لا لبس في كنهه وماهيته ووسيلته” 1 .
ويقول الإمام أيضا: ” ترك فينا الحبيب صلى الله عليه و سلم كلمة الله الحية، وترك فينا رجالا مؤمنين أحياء. والإيمان والإحسان يتجددان بالاعتصام بالحبلين العظيمين، كتاب الله وسنة رسول الله، ومن سنته العترة الطاهرة، وهم عموما كل متق ولي لله، وخصوصا الطاهرون الأولياء، وهم آل البيت حقا. باعتصامنا الصادق بهما يتجدد إيماننا حتى يتطابق مع إيمان الصحابة…” 2 .
تجديد الدين بالنسبة للفرد يقوم على تجدد الإيمان في قلب العبد المسلم بالإكثار من ذكر الله، وإتيان الطاعات وهجران المحرمات، فيحصل له التجافي عن دار الفناء، النهوض للعمل الصالح بنية صالحة يرفعانه إلى مقام المؤمن المتطلع إلى الفوز في دار البقاء ، ثم يترقى في مدارج الإيمان عندما يجد وليا لله خبيرا عارفا بالله يأخذ بيده ويجنبه عثرات الطريق، حتى لا تكون له حاجة تحجبه عن الأنس بالله ولا مطلب دون ابتغاء وجه الله، هذا في حق الفرد نستشفه من خلال شروحات الإمام ياسين المستفيضة لمعاني الصحبة، والتي اعتبرها من آكد الركائز في منهاج تربية وتغيير الإنسان المسلم في غير ما موضع من كتبه، أما تجديد الدين بالنسبة للجماعة المنجمعة على الله، لعمارة الأرض بشرع الله وإعزاز أمة رسول الله، فلا بد له من ثلاث ركائز أساسية سماها الإمام رحمة الله عليه في كتابه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا بالنواظم الثلاث، وهي الحب في الله، النصيحة والشورى ثم الطاعة المأمور بها في الكتاب السنة، هي أسس ثلاثة عليها، يمكن بل ويجب بناء جماعة منظمة من المؤمنين يعملون لإحياء الأمة من موات وجمع شملها من شتات، غياب إحدى هذه النواظم الثلاث سواء في روح الجماعة أو جسدها يجعلها تجمعا آخر غير التجمع الإيماني المُسَدَّدِ القاصدِ السائر على جادة الصواب.
شعب الإيمان:
في صحيح الإمام مسلم، رواية عن شعب الإيمان يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الإيمان بضع و سبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان “، شعب الإيمان هذه البضع والسبعون، وهي عند الإمام البخاري بضع وستون، لم يسردها النبي صلى الله عيه وسلم سردا، لكنها مبثوثة في كتاب الله وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد سبق أن صنف وكتب فيها كل من الإمام الحليمي والإمام البيهقي رحمة الله عليهما، ثم اجتهد في تناولها الإمام ياسين اجتهاد مجدد موفق، فصنفها إلى عشر عناوين كبرى سماها الخصال العشر، هي 1- الصحبة والجماعة، 2- الذكر، 3- الصدق، 4- البذل، 5- العلم، 6- العمل، 7- السمت الحسن، 8- التؤدة، 9- الاقتصاد، 10- الجهاد؛ كل منها تتضمن مجموعة من شعب الإيمان تتقارب وتتكامل فيما بينها في مغزاها الروحي والسلوكي، ودرسها وحلل معانيها من الجوانب التربوية الفردية، و من الجوانب التنظيمية الجماعية، ومن منظور مقتضيات الجهاد والزحف لتحرير الأمة وإعلاء كلمة الله، كل ذلك في ارتباط وثيق مع واقع الأمة، وفي ضوء المرحلة التاريخية التي تعيشها وتمر منها، واستشرافا لمستقبل الإسلام، هذا في الوقت الذي ينشغل فيه كثير من أهل العلم في جزئيات الفقه، وآخرون في فروع العقيدة، بحسب ما أوتي هؤلاء وهؤلاء من علم وإرادة وجرأة، غير أن أسوأ العلماء من باعوا آخرتهم تقربا للأمراء، لا يفترون عن توبيخ عامة الناس، وتحميلهم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الأمة من فساد وإفلاس، وإعلان النذير الشديد بيوم الوعيد في وجوه المستضعفين، مع مداهنة الطغاة المستبدين المستكبرينن، وتبرير ترفهم وتزيين فسادهم، والإفتاء بما يرضيهم.
كل داع وواعظ وفقيه منهمك في مجال انشغاله قلما يجاوزه شبرا، وهذا طبعا لا يفيد التنقيص من أي جزئية من جزئيات ديننا الحنيف بأي حال من الأحوال، لكن جمع كليات الدين وفرعياته في انسجام وانتظام، وضبط فقه الواقع وإدراك الأولويات وإدارتها، أمور لا يقدر عليها إلا كُمَّل الوارثين وأكابر المجددين.
الغاية الاستخلافية والغاية الإحسانية:
كان الصحابة رضوان الله عليهم رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، لم يكن السعي التربوي الإيماني الإحساني عندهم منفصلا عن نداء “يا خيل الله اركبي” ولا عن هموم السياسة والمعاش ومخالطة الناس برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، لا تتعارض عندهم دمعة المحراب مع غبرة ساحة الحِرَاب، لكن مع حلول حكم السيف، أُقصي أهلُ العلم من الشأن العام للأمة وحوصروا في زاوية العقائد والكلام وأحكام الوضوء والحيض والنفاس، وانزوى الصوفية هروبا بدينهم في العزلة والزوايا، وشرعن آخرون للأحكام السلطانية حفاظا على بيضة الأمة أن تنكسر، وقد كانت للأمة يومئذ منعة ووحدة وهيبة تجاه المتربصين حينا من الزمان، صبر الصالحون على نقض عروة الحكم العادل حفاظا على حوزة الأمة، حتى لا يضعفها الخلاف، وتفتك بها الفتن الداخلية فتكون لقمة سائغة للدول الكافرة المتربصة آنذاك. لكن الآن لم تعد للأمة وحدة سياسية ولا شوكة إزاء العدو، ولا شيء مما كان يخشى عليه سلفنا رحمهم الله أن يضيع، لم يعد لدى الأمة ما يمنع العلماء والدعاة أن يصدعوا بالحق في وجوه الحكام الظلمة العملاء للأعداء.
بعد إشارة عميقة رائعة إلى أن العدل قد تيتم بيننا، يقول الإمام العلامة المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله نظما بليغا:
هلمــــــوا ننكـــــــر الظلم —- ننازلــــــــه نقاتلــــــــه.
لقد كانت قومة الإمام ياسين بحق قومة جامعة لما تفرق في أزمنة العض والجبر، قومة تروم بلوغ درجات الإحسان على أساس العدل في تناغم وانسجام، كما هو حال الصحابة الكرام، وكانت دعوة تصل تبتل الليل بسبح النهار، نسج رائع عجيب أثل له الإمام تنظيرا وتأليفا وتربية وتنظيما، إنه ازدواجية الخلاص الفردي للمؤمن والخلاص الجماعي للأمة.
تجديد الدين على مستوى السلوك التربوي للفرد وعلى مستوى السير التنظيمي للجماعة، مطلبان يعتبران مناط التجديد في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وأسكنه فسيح الجنان، لا يفترقان في منهاجه وتنظيره كما حدث في الأمة منذ أن رفع الله الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وتحول أمر الأمة من حكم الشورى إلى ملك عضوض، ذلكم الحدث التاريخي المزلزل الذي سماه بالانكسار التاريخي.
المطلبان أمر إلهي وجب السعي لتحقيقهما، استنبطهما الإمام من البلاغ الإلهي القرآني، وسماهما بالغايتين الاستخلافية والإحسانية، وذلك في قوله عز من قائل في سورة العنكبوت: إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، فهمَ الإمامُ العدلَ المأمور به في كتاب الله في شموليته، عدل في الحكم، عدل في القضاء، عدل في قسمة الأرزاق، وعدل في كل شيء، أما الإحسان فأورده في كتاب الإحسان بمعانيه الثلاثة المذكورة في الكتاب والسنة النبوية الشريفة، الإحسان بما هو إتقان للعمل، والإحسان بمعاني إحسان المعاملات مع الخلق، ثم تاج الإحسان في إحسان العبودية للخالق، حاصل القول وخلاصته في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام ياسين والتي بسطها في العشرات من مؤلفاته، فإن همَّ الفرد وحاله بين يدي الله في الدار الآخرة لا ينفك، ولا ينبغي له، عن مصير الأمة التاريخي ورسالتها ومكانتها في العالمين.
حديث الخلافة:
من أهم أبواب التجديد في فكر الإمام المجدد رحمه الله، طريقة تناوله لحديث الخلافة، حديث لا يكاد يخلو مجلس من مجالسه من ذكره والاحتفال به، وقلما تقرأ كتابا من مؤلفاته دون الوقوف عليه، لما يوليه من أهمية لهذا الإخبار الغيبي النبوي، يبسطه للأمة المحمدية شحذا للهمم وتحفيزاً وبشارةَ، وكان رحمه الله من أكثر العلماء والدعاة والمفكرين استبشارا وفرحا ويقينا ببشارة عودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، بعد قرون العض والجبر، مؤكدا من خلال قراءته وفهمه للتاريخ على أن الأمة تعيش آخر حياة عهد الملك الجبري، وأن على ذوي الهمم العالية وأهل الفضل والصلاح أن يتهيئوا ليكونوا أهلا لتنزل قدر الله بالتمكين لدين الله على أيديهم، ومن تخلف عن الركب فلا يلومن إلا نفسه يوم لا ينفع الندم، فالنصر آت، آت، آت، فهاك أخي القارئ ويا أختي الحديث البشارة : روى الإمام أحمد رحمه الله بسند صحيح ينتهي إلى حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :“تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها.ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت “حديث نبوي عندما نتفحصه في السياق التاريخي والمراحل التي مرت بها أمتنا وتمر بها حاليا، نستخرج منه علما وفهما عظيمين، فهو خبر أتانا ممن لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم، وبقدر ما هو قضاء وقدر من أمر الله سبحانه وتعالى لا راد له، فهو أيضا توجيه وتنبيه لأجل حسن التصرف إزاء أحداث لا تزال في ضمير الغيب يومئذ، آتية لا محالة، وعلى صلة بما كسبت أيدي الناس، فيها لأهل كل زمان ومكان قدر من المسؤولية في فهمها والتعامل والتفاعل معها، والعمل وفق ما تقتضيه سنن الأسباب والتدافع.
فمن الناس بل من الدعاة من يعتبر أن الخلافة على منهاج النبوة لن تقوم حتى نزول عيسى عليه السلام، فَيُفهم من كلامهم ضمنيا رفع الحرج والمسؤولية عن العمل الدؤوب لإقامتها، وقد يُخفي الموقفُ ما يخفيه من الضعف والحرج، أو الجبن والاستسلام أمام سطوة حكام الجبر.
كما نبه الإمام من جهة أخرى إلى خطإ المؤرخين في إطلاق لقب الخلافة على الامبراطوريات الأموية والعباسية والعثمانية وغيرها من أنظمة الحكم بعد الخلافة الراشدة التي قوضها بنو أمية، وتلقيب أمراء هذه الدول بالخلفاء، مما يتعارض مع التسمية النبوية الشرعية، كلا والله ما هم بخلفاء بل هم ملوك عض وجبر حتى وإن كان منهم رجالا على قدر من الشجاعة والشهامة والمروءة والصلاح، فلفظ خليفة يحمل دلالة سامية جليلة، يعني خليفة رسول الله، وخلافة رسول الله، والنيابة عن رسول الله في أمته لا تتأسسان أبدا على الحكم القهري الجبري الوراثي على العباد، بما ينفي كرامة بني آدم التي قررها الله تبارك وتعالى، بل تتأسسان على الشورى والعدل والإحسان، فمتى كان الظلمة المتسلطون أهل عدل وإحسان؟ ومتى عرف وارثو الحكم أبا عن جد معنىً للشورى، ومعنىً لحرمة الأمة وكرامتها حتى نسميهم خلفاء ونوابا لرسول الله؟


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :