أضيف في 5 أبريل 2018 الساعة 19:57

عطاء في دائرة الخسة


المصطفى سالمي
حاول (سعيد) أن يجد وصفا مناسبا لمعظم المحيطين به في عمله، فلم يجد أبلغ من صفة الحسد، ذلك أن العيون والجوارح والحركات والسكنات كانت كلها تطفح وتفيض بهذا الإحساس الجارف الذي ينم عن كره وغل كبيرين. تُرى ما الأسباب التي دفعتهم لهذا الإحساس ـ تساءل سعيد ـ وهو الذي لا يحمل للناس جميعا إلا المحبة الغامرة والتسامح الساذج أحيانا.. جلس يفكر ويحلل ويتأمل وضعه في هذه المؤسسة التعليمية التي جاءها بقلب صاف ونية طيبة، فتح قلبه وذراعيه ليحتضن الجدران والناس، كانت الابتسامة لا تفارق محياه، وكان لا يتردد في تزويد زملائه بجذاذات التحضير إن طلبوا ذلك أو لم يطلبوا، فهو يقدم خدماته للجميع، وأما مسرحياته التي ألفها منذ سنوات فهو لا يتردد في تقديم نصوصها لكثير من زملائه متيحا أن يشخصها تلاميذهم داخل فصولهم الدراسية، بل سمح حتى لتلاميذه أن يشاركوا بهذه المسرحيات تحت إشراف أساتذة آخرين، لقد جالس (سعيد) زملاءه في قاعة الأساتذة وشاركهم هموم المهنة دون أن يهتم لخلفية هذا أو ذاك، لم ينقب في ذهن أو قلب أي منهم، ولم يفكر إن كان فيهم المعادي للنجاح أو الكاره له، لقد ضحكت أسنان هؤلاء وتبسمت الشفاه أول الأمر، وكان كثير منها يجسد مقولة الشاعر:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة # فلا تظنن أن الليث يبتسم
وها هي الانتهازية تكشر عن أنيابها، وها هو النجاح يكشف عن حقيقة الأقنعة المزيفة، كان البدء بـ (شلبوطة)، وتلاها (عسير)، وها هو (سندس) آخر المنخرطين في دائرة الغل والحسد المفضوح، لقد كانت (شلبوطة) تحب الظهور ولو كان ذلك على أكتاف الغير، وبدا لها (سعيد) مشروع صيد سهل، ستستغل ما يكتبه من مسرحيات لتظهر بها في المناسبات وحفلات التكريم المختلفة، وستنسب كل النجاح المحقق لها وحدها، خاصة وهي مسرحيات مدرسية تمتاز بجاذبيتها وسهولة لغتها وطابعها المرح الفكاهي في كثير من الأحيان، كانت (شلبوطة) تتعمد أن لا يتم ذكر صاحب النص أثناء معظم عمليات العرض المسرحي، حتى يعتقد المعتقدون أن الإنجاز خالص لـ (شلبوطة)، والغريب أن الأخيرة كانت تطلب عون ومساعدة (سعيد) أثناء تداريب التلاميذ وتشخيصهم وتصحيح أخطائهم اللغوية، بل تلتمس مساعدة كثير من زملاء وزميلات المؤسسة سواء في ملابس العرض المسرحي أو الديكور، وحين تحين ساعة جني المحاصيل وينجح الأداء ويتألق التلاميذ كانت (شلبوطة) تستأثر بالكعكة وحدها، وتصل العقدة ذروتها حين أريد تكريم طاقم المؤسسة التنشيطي بجوائز تحفيزية، حينها سعت (شلبوطة) ودون خجل إلى إقصاء زملائها المشاركين في العرض الناجح، وأوغرت صدر مدير المؤسسة حتى يكون التكريم والجائزة من نصيبها وحدها، وانخرط (عسير) في دائرة الغل الأثيم مشجعا (شلبوطة) على مسلكها الشنيع، وأنه سيوفر لها الدعم والسند باعتبارها صاحبة المواهب المتعددة، وأن أدوار الآخرين تكاد تكون معدومة، والحقيقة أن (عسيرا) كان حريصا على تأزيم الوضع بين الجماعة لأنه مفرغ من الطاقات والمؤهلات التي قد تدفع به إلى البروز والظهور في أي نوع من الأنشطة التربوية داخل المؤسسة، بينما قفز (سندس) هو بدوره حتى يكون له دور في المشهد، فهو المتباهي دائما بأنه ابن الأصول العريقة والأرقى في المؤسسة، وأن مناصب عليا عُرضت عليه ورفضها مفضلا مهنة التعليم، لأنه يعشق الأخير حتى النخاع، بينما الأكيد الذي لا يعلمه (سندس) أن لا أحد لاحظ عليه ولو ذرة موهبة في ما كان يدعيه، وأن الجميع يعلم أن أصوله وضيعة لا عراقة فيها، فكان لابد أن يسعى لممارسة لعبة الصهيل المزيف التي لم تتعد المواء داخل دائرة الغل المقيت.
توارى (سعيد) لزمن ليس باليسير منكمشا على ذاته، منغلقا عليها حتى ينقشع غبار المعركة الملتهبة، والتي كان السباق فيها ملتهبا سعيا وراء الظهور ولفت الأنظار والتطاول بالأعناق والهامات، واقتصرت أدوار (سعيد) على أداء واجبه المهني مع أنشطة تكميلية أخرى لا تغادر فصله الصغير الدافئ بالعطاء والحركية، بعيدا عن الأضواء والصخب، ووجد صاحبنا سعادة غامرة في هذا المنحى، إن العطاء في حد ذاته شغف وحياة، وتذكر (سعيد) قصة طريفة معبرة عاين مشاهدها في شريط قصير تتحدث عن صياد كان يرافقه كلبه الوفي على متن قارب الصيد على ضفاف الأنهار، وذات يوم جاء طائر بحري كبير، وبدأ يختلس ديدان الصيد الصغيرة من علبة خلف الصياد، ولم يسمح وفاء الكلب أن تتم العملية دون أن يمارس نباحه المعتاد. اغتاظ الصياد الذي يغالبه النعاس وهو يمسك بالصنارة وطالب الكلب أن يكف عن فعله لأنه لم يلحظ الطائر خلفه وهو يسرق الديدان، وتكرر الأمر ثانية وثالثة إلى أن انتبه الصياد لفعلة الطائر ولوح بمجذافه باتجاه الطائر، فتناثرت بضع ريشات منه، وأفلت بأعجوبة، استدار القارب في منعرج الوادي، فظهر للكلب منظر لم يكن في الحسبان، إنه الطائر البحري الذي تطايرت ريشاته جاثما على عش في غصن من أغصان شجرة شامخة، ورؤوس فراخ صغيرة ترتفع وتنخفض فاتحة مناقيرها تعبيرا عن جوع شديد، بينما يحاول الطائر مواساتها من خلال تقديم سمكة، لكن الفراخ لا تستسيغ هذه الأخيرة ولا تقبل بها طعاما لها، حينئذ تأثر الكلب وأصدر أنينا كالبكاء، لقد ندم أشد الندم على ما بدر منه، ثم لوح بذيله للطائر معبرا عن الترحاب، حينها انطلق الطائر البحري العملاق في خفة وحذر، وبينما كان الصياد يغطي رأسه بقبعته الكبيرة ـ وقد أخذته سنة النوم المعتادة وهو يمسك بالصنارة ينتظر أن تتحرك في يده لجذب الصيد الثمين ـ كان الكلب عندها يقدم عدة ديدان وسرطانات للطائر صاحب الفراخ الجائعة، انطلق الأخير بالطعام نحو العش الدافئ، وقتها أحس الكلب براحة ضمير لا تضاهيها راحة. مر وقت قبل أن يشعر الصياد برفرفة جناحين، التفت حواليه ليجد عدة سمكات ـ مازالت تتحرك ـ وقد ألقى بها الطائر في المركب كأنما غرفها من ماء النهر غرفا، استرجع الصياد وعيه تماما ـ وهو يرى علبة عُدّة الصيد وقد تضاءلت ديدانها ـ ليدرك المكافأة السخية وأنها من صنيع طائر يعرف معنى (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، فربت برفق على رأس الكلب السخي، ولسان الحال يقول: (ما ضاع جزاء من أحسن صنيعا، ولو أحاط به غل وحسد تواطأ دنيئا وضيعا)، تنحنح (سعيد) في مقعده وهو يسترجع أحداثا مرت عليها شهور ليست باليسيرة، ورددت أعماقه بيتين شعريين يسكنان أعماقه هما للشاعر أبي تمام الطائي:
إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :