أضيف في 4 أبريل 2018 الساعة 17:42

قراءات متعددة لرواية واحدة


ناصر سالم المقرحي
قراءات متعددة لرواية واحدة
من مهام النقد الأدبي تقريب النصوص من المتلقين باختلاف مشاربهن ومستوياتهم الفكرية , أيضا استنطاق النص واستنزافه تأويليا بحيث يقف المتلقي على أغلب مقاصده وأفكاره وجمالياته وخصائصه الفنية , وإذا ما جاء النقد من ناقد مقتدر ويمتلك أدواته يمكن أن يتموقع كنص موازي للنص المقروء – المنقود – في الوقت الذي يمكن فيه أيضا أن يتفوق عليه ويتجاوزه كنص إبداعي إذا ما توفرت له اشتراطات معينة مثل أصالة اللغة وأسلوب الكتابة الجميل والمعلومة الدقيقة والتعبير المناسب , وبتراسل النصين الناقد والمنقود تغتني الذائقة الأدبية وتزداد ثراءً وعمقاً .
وهذا تقريبا ما تسعى إليه الجمعية الليبية للآداب والفنون من خلال إقامتها للأنشطة المختلفة لا سيما المحاضرات والندوات النقدية التي تُركز على إنتاج لشخصية أدبية معينة سواء كانت شعرا أو قصة أو كتابة فكرية , إذ تلعب الجمعية بدافع من إحساس أعضائها بالمسئولية هذا الدور المحوري الهام في التعريف بالإنتاج الأدبي والفكري الليبي وتقديم الشخصيات الأدبية والفكرية للقراء والمهتمين , وما أقامته من أنشطة يشهد بإجادتها للعب هذا الدور حيثُ نظمت الجمعية الكثير من الندوات والمحاضرات التخصصية للتعريف بالأدب الليبي والأدباء الليبيين .
وفي هذا السياق تحديدا يأتي النشاط الأخير الذي انتظم بدار حسن الفقيه حسن مساء الثلاثاء الماضي في حضور جمهور حريص على ألا تفوته فعاليات الجمعية ومتتبعين لأنشطتها ما فتأوا ينتظرون مواعيدها الشهرية والاستثنائية التي لم تخلفها مرة , ولعل هذه الروح الأنضباطية التي تعمل بها الجمعية والألتزام بالجودة والمواعيد , حيثُ قامت بتنظيم النشاطات في أحلك الظروف وفي أسوأ الأوقات حتى أثناء المواجهات المسلحة لم تخلف موعدا , وفي الوقت الذي كان فيه الآخرون مشغولون بالحرب وأخبار الصراعات ا العسكرية والسياسية كانت الجمعية تشعل الشموع وتضيء الزوايا في هذه الحلكة حتى أن البعض استهجن عمل الجمعية في هكذا ظروف , غير أنه لا يبقى إلا ما يؤسسه الألتزام والإيمان بالحياة وهو الشيء الذي أثبتته التجربة , وفيما يبقى ما ينفع الناس يذهب الزبد جفاءً .
لعل هذه الروح الأنضباطية التي تعمل بها الجمعية هي سر النجاح ومبرر التواصل في الزمن الصعب .
النشاط الأخير كان عبارة عن ندوة حول رواية المولد للكاتب الليبي " أمين مازن " وقُرأت فيها ثلاث ورقات نقدية .
البداية وكما هو متبع كانت مع كلمة مدير النشاط الذي كان هذه المرة الأستاذ رمضان سليم الذي قدم للنشاط وعرّفَ بالمشاركين وتلى علينا شيئا من سيرة الكاتب الأدبية والمهنية , فالكاتب ترأس رابطة الأدباء والكُتاب وله العديد من الكتب المنشورة وكتب في مجالات الأدب والتاريخ ومتابع نشط للحركة الثقافية وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الأدبية والثقافية في الداخل والخارج , قبل أن يطلق إشارة البدء مع الأستاذ رضا بن موسى وورقته التي عنونها ب " المولد بين المكان الحاضر والزمن الطليق " وهو كما نرى عنوان اختزل في طياته الكثير من أحداث وتفاصيل الرواية , وفيها طفق الباحث تحليلا للرواية وغوصا في محنة البطل دون ان ينسى السياق الزمني الذي تشكلت فيه الأحداث وتحركت الشخصيات وهو الزمن الذي وافق صعود العسكر إلى سدة الحكم وسيطرتهم على كل مفاصل البلاد , وسيلتهم في ذلك أساليب وحيل عدة من بينها أو في مقدمتها الأعتقال وصنع التهم الجاهزة والقمع النفسي , الشيء الذي طبع الحياة في تلك المرحلة بطابع الوجوم والترقب والخوف .
كما خاض الباحث بتحليلاته في ما أسماه بالواقعية التسجيلية في الرواية وتطور الحدث الرئيسي الذي دفع بشخصية البطل إلى البوح والكشف عن دواخلها وتصوير الروائي لمحنتها التي بنت الرواية حبكتها عليها , وقدمت الرواية – من وجهة نظر الباحث – درسا في التعايش والانسجام حيث تلائم المعتقلين في السجن كما لو انهم أخوة حين وحدت ما بينهم المحنة وذوبت كل الخلافات والأختلافات , القبلية والعقائدية , المحنة التي اعتبرها الباحث أنتماء يستوعب كل الأنتماءات .
كما اعتبر الرواية شهادة حية على الولادة المتعسرة للوطن في الزمن الصعب , وقبل أن يختتم ورقته التي اختصرها امتثالا لضرورات الوقت وبيّنَ قبل أن يقوم بقراءتها أن ما سيرد فيها من أحكام واستنتاجات وتحليلات لا يخضع إلا لاشتراطات ذائقته الشخصية , قبل أن يختم نوّهَ باجتماع أكثر من شكل سردي في هذه الرواية وانصهارها في النص العام الذي فيه من السيرة الذاتية شيء ومن التاريخ شيء ومن القص الشيء الكثير .
يا قلب شن يبريك من الأوجاعي / غير عيطة طويلة في الخلاء فزاعي , هو بيت الشعر العامي الذي ألقاه الباحث على أسماعنا في سياق دراسته وربطه بحالة البطل الذي كما يبدو أنهُ اجتمعت عليه الأوجاع ولم يرى سبيلا للتخلص منا إلا بصيحة عالية في الخلاء تخرج من صدره كل هم وضيق .
الأستاذ حسن الأشلم صاحب كتاب " الشخصية الروائية عند خليفة حسين مصطفى " والأكاديمي النشط الذي حضر صحبة الباحث عبدالحكيم المالكي ونخبة من مثقفي مدينة مصراتة خصيصا للمشاركة في هذه الندوة دون النظر لبُعد المسافة وتعب الطريق , حسن الأشلم شارك بورقة بحثية بعنوان " المولد بين مرجعية السيرة الذاتية ومُتخيل الرواية " أفتتحها بالحديث عن كتابة السيرة الذاتية واختار أن يقرأ الرواية من هذه الزاوية ويتخذها مدخلا , وتناول بشيء من التبسيط مسارب الكاتب أمين مازن الذي كان قد أصدرها سابقا في ثلاثة أجزاء وعدَّ روايته الأخيرة " المولد " سيرة ذاتية ملحمية , سيما وانها كُتِبت ونُشِرت في زمن صعب أو في حقل أشواك وألغام بحيث لم تكن مساحة الحرية واسعة أبّان حكم النظام السابق واعتبرها من جهة اخرى مكملة لسيرته الذاتية " مسارب " وجزء رابع لها حين انطلقت من النقطة التي توقفت فيها هذه الاخيرة , ويستمر الأستاذ حسن في عرض قراءته للرواية ليتطرق إلى السيروي والمتخيل ويتحدث عن العلاقة ما بين الواقعي والسردي , وهذا من وجهة نظره ما جعل الرواية نص مخاتل , فهو من ناحية رواية تخضع للمتخيل والمفتعل ومن ناحية مقابلة هي سيرة ذاتية وادب سجون تنهل من الواقع كثيرا ً , وفي بعض ما ساقه من أحكام وقراءات استشهد الباحث بمقاطع من الرواية لمعاضدة أحكامه وتعزيزها بالبرهان ليخلص إلى أن هذا النص يعالج فترة حساسة من تاريخ ليبيا الزاخر بالأحداث بتناوله تحديدا لعلاقة المثقف بالسلطة في لحظة زمنية متوترة , لحظة القمع والمواجهة أو لحظة التُهم الجاهزة والتربص بالمثقف .
هذا بعضا مما طرحته الورقة وناقشته بهدوء وموضوعية ورصان واختزال قلَّ أن نتلمسه في الكثير مما يطرح من قراءات نقدية مختلفة .
مدير الجلسة رمضان سليم بدوره كانت له بعض الآراء التي قام بطرحها ما بين الورقات المقروءة وهنا اتفق مع أصحاب الورقات على ان هذه الرواية نص مفتوح قبل أن يُثني على دراسة الأستاذ حسن الأشلم ويقدم الباحث عبدالحكيم المالكي صاحب الورقة الثالثة والاخيرة في الندوة , فالباحث له اهتمامات واسعة بالسرد وأصدر في هذا المجال عدة كتب ونال بعض الجوائز على دراساته التي أنجزها , ومن جهته الباحث عبدالحكيم المالكي عندما استلم الكلمة عرض في عجالة وباختصار شديد موضوع وأحداث الرواية في ورقته التي اتخذ لها عنوان " جماليات بناء الحكاية والنص في رواية المولد للكاتب أمين مازن " ودون تأخير ولج إلى عمق الرواية من ناحية تقنياتها المتعددة التي أسهمت – بحسب الباحث – في إثراءها , إذ تحدث عن الراوي العليم وعن تصوير ورسم الشخصيات وكذلك عما أسماه بالسرد المداور أو السرد المخاتل والتلغيزي والغير مباشر بهدف الألتفاف على سلطة الرقيب والتملص من سطوته , وهنا لم يتأخر الباحث في استحضار ما يؤيد قراءته من الرواية ذاتها التي قرأ بعضا من أسطرها , وكانت التقاطات الباحث ذكية وفي مكانها فها هو يشير إلى ذلك الأنفصال أو غياب تأثير الروائي على شخصياته بحيث لم يظهر في العمل ويُلقي بظلاله على نماذجه الإنسانية , وهذا من شانه أن يُضعف العمل ويقلل من فنيته .
وعن كل عنصر من عناصر الرواية الأربع وهي الحدث والشخصيات والزمان والمكان تحدث الباحث بشيء من التفصيل والتوسع واستعرض شيئا من أراء النقاد العرب والعالميين أمثال سعيد يقطين وجيرار جينيت , وغالبا ما يكون لدى الباحث ما يؤكد على ما انتهى إليه من استنتاجات وأراء من خلال استحضار بعض المقاطع من الرواية .
ولا زال الباحث يعمل بمبضعه تشريحا للعمل الروائي حتى أتى على الكثير من تقنياته التي استُخدِمت في تأثيثه والتي من بينها ما يمكن أن نسميه بالخطاب التأملي وسرد الحكمة والنصية الواصفة , هذا دون أن يغفل الباحث عن ألتماس الجماليات التي انطوت عليها الرواية فجعلت منها نصا متماسكا - بحسب الباحث - فقام باستعراض أهمها , كما لم يسهو في سياق تحليله الموضوعي عن الإشارة إلى العتبات التي تفضي إلى النص وفي مقدمتها العنوان الذي اعتبره مركزيا في فعله وهيأ للكثير مما جاء في الرواية ووجه انتباه القارئ إلى وجهة محددة .
وعند هذا الحد تنتهي ورقة الأستاذ عبدالحكيم المالكي التي تناول فيها ما لم تتناوله الورقتين السابقتين فأضاءت جوانب أخرى منها مما دفع بمدير النشاط إلى الإشادة بها باعتبارها دراسة عميقة لا مست عصب الرواية وزادتها عمقا إلى عمقها .
بداية المداخلات والتعقيبات مع الأستاذ ابراهيم حميدان الذي أضاف بعض الشروحات والحواشي والإيضاحات حول الرواية وكاتبها وشخصياتها وشدد على ضرورة الأحتفاء بالكتب الادبية الصادرة حديثا وطالب بتسليط الضوء عليها , كما أكد على حاجتنا كمثقفين لكتابات نقدية واعية ومتابعة حقيقية لإنتاجنا الأدبي وإقامة الملتقيات الفكرية والأدبية للتواصل وكنوع من التعويض عن الصحافة الورقية التي تكاد تندثر في ليبيا , وفي سياق تشجيعه لأية مبادرات ثقافية او أية خطوة من شأنها أن ترتقي بالفعل الثقافي وتثري حياتنا الفكرية والإبداعية أشاد بالجهود التي تُبدل هنا وهناك في بنغازي ومصراته على سبيل المثال قبل أن يشكر الأساتذة الباحثين على مجهوداتهم المثمرة ويختم بسؤال عن طبيعة العلاقة ما بين المسارب والمولد وهل هما عملين منفصلين أم مكملين لبعضهما البعض ؟
في حين أقر الأستاذ طاهر بن طاهر في مداخلته بصعوبة التعاطي مع رواية أو كتاب مسارب على مستوى القراءة , وعن تباين الورقات المقدمة في الندوة اعتبر ذلك إثراءً لها وشيء يصب في مصلحة الرواية , وعبّرَ عن إعجابه بورقة الأستاذ رضا بن موسى لأنها ذات طابع شاعري , كما ادلى برأيه في مسألة التجنيس واعتبر انه لم يعد إشكالية نظرا لتداخل الأجناس الأدبية وانفتاحها على بعضها البعض , واتفق مع الأستاذ حسن الأشلم في أن الروائي كان كمن قفز في حقل ألغام عند كتابته للرواية لينتهي إلى أن ما يجمعنا كمتلقين مع هذا النص هو مرجعياتنا المشتركة , فالرواية تقريبا تتحدث عن أمور تتعلق بنا كما تتعلق بكاتبها وأبطالها أو على الأقل نعرف ما تتحدث عنه وعايشناه في حقبة زمنية سابقة .
من جانبه الأستاذ حسن الأشلم أجاب باختصار على بعض النقاط وهذا تحديدا ما فعله الأستاذ عبدالحكيم المالكي من بعده حين أوضح موقفه من قضية التجنيس واستشهد ببعض الأعمال الأدبية لكتاب عرب مثل جمال الغيطاني لتوضيح وجهة نظره .
ولم يكن اللقاء لينتهي دون أن يتحدث الأستاذ أمين مازن صاحب الرواية المحتفى بها والذي كان حاضرا بشخصه وبمنجزه الإبداعي ليعبر عن سروره وامتنانه بهذا الأحتفاء وليبدي إعجابه بهذا القراءات المتنوعة , ورد على بعض التساؤلات التي طرحت خلال الندوة باقتضاب شديد حتى لا يثقل عل المستمعين كما تفضل أديبنا امين مازن لتنتهي الندوة على أمل أن يتجدد اللقاء مع موعد ثقافي تعدنا به الجمعية الليبية للآداب والفنون .
********
ناصر سالم المقرحي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا